بناتنا المسلمات في الدير المسيحي

تأصيل

المهندس باسل قس نصر الله - قراءة المزيد لهذا المؤلف

من عاداتنا وتقاليدنا في المجتمع الحلبي خاصة والإسلامي في سورية عامة، أنه يجب أن "نأخذ طريقاً" لدى الدخول الى مكان ما من منزل أو ما شابه ذلك، فعندما ندقُّ (باللهجية الحلبية ومعناها نطرق) باباً ويفتح لنا صاحب الدار أو الحوش أو المكان، وقبل أن يأذن لنا بالدخول، ينادي مَن بالداخل مِن الحريم لكي يدخلوا الى الغرف أو يضعوا ما يسترهم شرعاً.

وفي حلب دير مسيحي يقع في منطقة السريان الجديدة، وهو للراهبات الباسيليات الحلبيات، وتستخدمه الراهبتين الموجودتين فيه (الأخت مونيك والأخت أمل) كمكان لاستقبال الطالبات وإقامتهنَّ خلال دراستهنَّ في جامعة حلب.

أمرُّ بين فينة وأخرى لزيارة الراهبتين (وأنا أعترف أن الفترات الزمنية بين الزيارات تتباعد أحياناً)، وعندما أطرق باب الدير، تأتي الحارسة لتفتح وترحب بي ثم تنادي من بالداخل (حطّوا على راسكون يا بنات) لتنبيهِهِم أن رجلاً سيدخل، وأنا أنتظر قليلاً لإتاحة الوقت "للبنات" ثم أدخل، ... هل أحدٌ يتوقع أن البنات القاطنات في الدير والبالغ عددهنَّ أكثر من خمسين هنَّ من المسلمات جميعاً؟

نعم إنه دير للراهبات المسيحيات، قاطنيه من بناتنا المسلمات، وكم حدثتني الراهبتين، عن آباء قالوا أنهم لن يدعوا بناتهنَّ يكملنَ الدراسة إذا لم يقيموا في أديرة الراهبات....

عندما أعود لتاريخ سورية وحضارة شعبها، لا أستغرب ذلك ...

ألم يدافع المحامي فتح الله صقال المسيحي ذو الثمانية والعشرين ربيعاً عن زعيم الثورة السورية إبراهيم هنانو المسلم ... ؟ وألم تقرع أجراس الكنائس مع أصوات المآذن تعلو بالآيات القرآنية الكريمة عند وفاته ؟

ألم يرفع المسلمون على الأكتاف فارس بك الخوري المسيحي، في الجامع الأموي بدمشق ونادوا "لا إله إلا الله .... فارس بك حبيب الله" ؟ وعندما عاد من نيويورك حيث مثَّل سورية في مجلس الأمن في الأمم المتحدة ووصلت الطائرة الى مطار دمشق، ولما ترجل فارس (الخوري) عانقه رئيس الجمهورية عناقاً حاراً تبادلا خلاله قبلات الاخوة. ثم صافح المستقبلين وسأل نجله عن الطربوش الذي أوصى به. فناوله الشيخ بهجت البيطار عمامته فاعتمّ بها بين موجات التصفيق.

لا شك أن التاريخ كان فيه لحظات مؤلمة لكلا الطرفين قام بأحداثها أناس موتورين لم يحافظوا على ذمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن التاريخ أيضاً مليء بأشخاص كانت إنسانيتهم وإيمانهم يقودهم الى الإيجابيات.

أنسينا الخليفة الراشدي الخامس مجازاً والأموي فعلاً، عمر بن عبد العزيز (99 – 101 هـ - 717 – 719 م) الذي قال جملته الشهيرة: (إن الله أرسل محمدا هادياً، ولم يبعثه جابياً) وهو الذي توفي في دير سمعان في شمال سورية وطلب أن يدفن بها وأصر أن يدفع ثمن قطعة الأرض للدير ؟

أم ترانا نسينا الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب الذي رفض أن يصلي في كنيسة القيامة في القدس وقال أنه يخاف أن يأتي يوم يقول فيه المسلمون: هنا صلّى عمر فيستولون عليه ويجعلونه مسجداً، وصلى عمر في مكان تم بناء مسجد عمر عليه.

نعم وألف نعم ...

فهؤلاء البنات هن حفيدات اولئك الرجال فكيف لا نفتح لهم بيوتنا وأديرتنا ؟

هكذا فهمت الإسلام من شيخي د. أحمد بدر الدين حسون مفتي سورية ومن الشيوخ الآخرين وهكذا هم عرفوا المسيحية السورية وعرفوا المجتمع السوري بكل أطيافه.

لست أنا المسيحي، بالحالة الوحيدة في المجتمع السوري لكوني مستشاراً للمفتي المسلم.

تاريخنا عظيم ومجيد.

نكهتنا (كما أسماها الشيخ د. محمود عكام مفتي حلب) تضج بالعبق الطيب المتوارَث من جذور تاريخنا.

فليسمع الذين خافوا على على مسيحيي سورية أصداء كلمات فارس بك الخوري في الجامع الأموي: "إذا كانت فرنسا تتحجج بأنها في بلادنا لحماية الأقليات، فأنا من هذا المنبر أعلن أننا في غنى عن هذه الحماية ... وأما اذا أصرَّت فرنسا ... فأنا من هذا المنبر أشهد ألا إله إلا الله"

شكراً أيتها الراهبات

شكراً أيها الدير

شكراً يا سورية

اللهم اشهد اني بلغت

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
يودعنا الاب ابراهيم نيروز وعائلته الى الاردن ...الزرقاء ...في 30/6/2017... تحملهم رعاية الله