انا اسفة لأنك رحلت هكذا

مشاركات

بثينة العيسى - قراءة المزيد لهذا المؤلف

رأيتُ صورتك في مواقع التواصل الاجتماعي. مثل مئات الصور الأخرى. أنت وجهٌ آخر يأتي ويذهب إلى هذا العالم دون أن أعرفه. رأيتك معفرا بترابك، رأيتك ميتًا. متّ قبل أن أعرف اسمك، قبل أن أعرفك.

يقولون لي بأن عليّ أن أكفّ عن التحديق في الجثامين. ولكنني لا أفعل، لا أستطيع أن أشيح عن جثة طفل. أشعر بأنني إذا لم أمعن النظر في تفاصيله، وأخزن وجهه في داخلي، وأبكيه .. فأنا أخونه.

أعرف بأنك لا تعرفني، كما أنني لا أعرفك، وأعرف بأن الأمر لا يحدث فرقا معك، سواء نظرت إليك أم لم أنظر. سواء خبأت صورتك في جيبي، في هاتفي، في رأسي.. أو لم أفعل، ولكن الأمر يعنيني إلى حدٍ بعيد، إذ لا أستطيع أن أتسامح مع فكرة أن يذهب وجهك إلى النسيان كأنك لم تكن. لا أستطيع أن أغفر للعالم أنه قتلك قبل أن تكون الشخص الذي يفترض بك أن تكونه.

أنا لا أعرف اسمك، ولكن بما أنك فلسطيني فربما يكون اسمك خليل أو سامح أو سامي أو محمود.. أو أي اسمٍ آخر. أريد أن أقول بأنني رأيتك، رأيت صورتك وقبّلت جبينك - في الصورة - واحتفظتُ بوجهك بين وجوه أطفالي. أريد أن أخبرك بأن رحيلك.. أنت ذاتك.. يعنيني جدًا، بأنك لست مجرد رقم. لست ضحية أخرى للقصف، لست شهيدًا آخر وحسب. أنت هو أنت، أنت متفرد ولا تعوّض. أنت لا يمكن استبدالك يا صغيري، وهذا العالم الآن كله ينقصك.

أنا آسفة لأنك رحلتَ هكذا. أريد أن أعوّضك عما حصل.

أريد أن أمسح عن وجهك الغبار وأن أقبّل عينيك. أريد أن أعرف اسمك وأن أناديك به، أريد أن أمسح على رأسك بأصابعي وأن أضع أذني على صدرِك وأن أسمع صمته، أريد أن أبكيك وأن أضمّك وأن تصير ولدي. أريد أن أنقذك من موتك ومن حياتك معًا، أريد أن آخذك إلى مكان آمن؛ إلى محمية طبيعية لأطفال العالم من ذنوب الكبار. أنا لم أرَ وجهك قبل اليوم ومع ذلك أشعر باليتمِ لأنك رحلت قبل أن أعرفك وأحبك، قبل أن أكتشف لونك المفضل ولعبتك المفضلة. العالم ينقصك الآن، العالم مثقوب لأنك عبرتَ إلى الموت وتركته وحيدًا.. كلنا ثكالى ورحيلك سكّين في كبدي، يا ولدي.

يا سامح، يا سامي، يا خليل، يا علي، يا محمود .. سأبقى أخمّن اسمك، وأتساءل عن لعبتك المفضلة. أنا متأكدة بأنك تحب اللون الأزرق كثيرًا، لأنه بحر غزة ولأنه وجه السماء. أنا متأكدة بأنك تحبّ كرة القدم، والبالونات، والطائرات الورقية في حال كان ذلك ممكنًا. أعرف بأن الحياة كانت أقل مما يجب، أقل بكثير مما يستحقه طفل. أعرف بأنك مع مئات الآلاف من الأطفال الآخرين تدفعون وحدكم ثمن خطايانا. أعرف بأننا لم نكن جديرين بكم، وبأنكم في مكانٍ أفضل، بلا خوف، بلا رصاص، بلا قصف. الكهرباء لا تنقطع ولا تنتظرون لساعات في "المحسوم" من أجل العبور من شبر إلى آخر. أعرف بأنك أفضل حالاً من دوننا، يا صغيري، ولكن نحن .. برحيلك، يا ولدي .. يتمنا بلا حد.

ميس هباهبة - -الإمارات
بداية اشكرك جدا على هذه المقالة الرائعة ، لقد عبرتي عن ما بداخلنا جميعا نحن الأمهات العربيات من مشاعر الم و حزن لما يحصل في غزة الأبية و أطفال غزة الأبية ، وأقول لكي بأنني مثلك تماما عزيزتي كلما نظرت الى جثمان طفل شهيد من أطفال غزة العزيزة سواء على مواقع التواصل الإجتماعي او على القنوات الفضائية لا أستطيع سوى أن أحبس أنفاسي خوفا من دمعة قد تسقط فأشعر بأنني خذلتهم فهم يستحقون أكثر من دمعة تسقط في لحظة حزن ،

ميس هباهبة - -الإمارات
تتمة التعليق-- اشعر بأن هؤلاء الأطفال هم جميعا أطفالي و كلما نظرت إلى جثمان احدهم اتخيله طفلي و أتخيل كم من حزن و ألم اعتصر قلوب امهات اطفال غزة الشهداء الأبطال ، و اتخيل ايضا مدى مشاعر الحزن و الضياع التي اعتصرت قلب طفل من اطفال غزة فقد امه الفالية ،

ميس هباهبة - -الإمارات
تتمة التعليق.. لا أعلم بماذا تشعر الأمة العربية اتجاه مايحصل لغزة الأبية و لكنني أحاول ان أجد تفسير لمرض قد اصاب الأمة العربية ألا وهو مرض الجمود ! أتمنى ان يتلاشى هذا المرض و تعود الأمة العربية الى سابق عهدها فنحن في عهد أصبح فيه الجهاد و الشهادة تعصب و ارهاب ! والصلاة في المنازل لا في المساجد ! و الصادق كاذب و الكاذب صادق ! ولكن وعد الله حق فكثير من ابناء امتنا العربية هم بركان صامت في حالة ماقبل الثوران

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء