المسيحيون المنسيون

أقلام رصاص

الأب إبراهيم نيروز - قراءة المزيد لهذا المؤلف

تشير الاحصاءات الى انه مع بداية القرن العشرين كانت نسبة المسيحيون في فلسطين تقارب 15% - 18%، معظمهم من اصحاب الشهادات العلمية واصحاب الحرف، ورجال الاعمال البارزين، وشريحة كبار الموظفين –سواء في القطاع العام ام القطاع الخاص- والصفة الغالبة عليهم هي صفة النجاح والتأثير في المجتمع، اما دراسات دائرة الاحصاء المركزية الفلسطينية فانها تشير الى ان نسبة المسيحيين في فلسطين –الضفة الغربية وقطاع غزة- لسنة 2000 تقارب 3% علماً بان توقعات المسيحيون انفسهم لا تشير لاكثر من 2%، هذا يعني ان ما نسبته 90- 95% من المسيحيون الفلسطينيون يعيشون في بلاد الغربة والشتات وتحديداً في امريكا الشمالية واستراليا.

وهناك العديد من الدراسات تذكر عن وجود مدن وقرى فلسطينية كانت مسيحية بشكل كامل او شبه كامل، مع بداية القرن العشرين، اما اذا نظرنا اليها اليوم، نجد ان نسبة المسيحيون بها قد انخفض الى نسب قليلة جداً، او حتى لم يتبقى احد منهم، وكل هذا حدث بزمن قصير جداً، ودون وضع آلية معينة للوقوف على الوضع بشكل علمي مدروس، من قبل اي من المؤسسات الرسمية او الخاصة، او حتى المؤسسات الكنسية ذات الصلة.

فقد كان نزيف الهجرة للمسيحيين الفلسطينيين ينزف لعشرات السنين دون ان يلتفت احد او يتنبه لهذا الخطر الذي يسير نحو الارض المقدسة في مجال تفريغها من المسيحيون الفلسطينيون اصحاب التاريخ والتراث العربي العريق الذي يدخل في الزمن ويتجذر في الارض لمئات السنين.


قرية عابود – حالة دراسية
القرية الوادعة المسالمة التي يغلب عليها طابع المحبة والكرم واستقبال الضيف، تلك التي لا يمكنك ان تدخلها وانت محمل بالحزن والهموم، إذ تأسرك وتجعلك سجيناً لحبها، إذ بها عبقرية ما، تُدخل إلى قلبك مشاعر متضاربة من البهجة والسرور من زاوية، ومن الحزن والقلق من زاوية اخرى:
1. البهجة والسرور لكونها بهذه الروعة الوادعة الجميلة، ولكونها تحمل في ثنايا موروثها الثقافي والحضاري والديني من طبقات الذاكرة التي افرزت لنا هذا الكم من الكنائس والاديرة المتجذرة في تاريخ بلادنا الحبيبة.
2. الحزن والقلق لكونها تتفرغ من ابنائها تدريجياً وتسير نحو مستقبل مجهول، الا انه مقلق للغاية، حتى انك تسمع صوت الحقول والبيوت والكنائس تصتصرخ ابنائها: ان ابقوا هنا لا تبرحوا المكان، حافظوا على أثر اقدام المسيح بها واقدام القديسون، بربارة- ثيودوروس- انسطاسيا- سمعان- الياس- سرور- وغيرهم الكثيرون، حافظوا على هذا الموروث الذي تركته لنا الاجيال السالفة .

وصلت المسيحية الى عابود منذ البداية، لذا فهي نموذج واضح وعملي على منطقة حافظت وتحافظ على ايمانها طوال الفي عام، تتغير الظروف وتتغير الوجوه وتتغير الاسماء لكن عابود واحدة صامدة ثابتة على ايمانها الذي تسلمته من البداية، فقد سجلت صفحات ارضها وترابها تاريخ تسعة كنائس واديرة هي على هذا النحو: كنيسة ستي مريم (العابودية) من القرن الخامس، دير سمعان من القرن السادس، كنيسة النبي عوبديا من القرن السابع، كنيسة القديس ثيودوروس من القرن السادس، كنيسة القديسة انسطاسيا من القرن السابع، كنيسة القديسة برباره من القرن الخامس، كنيسة الشعيرة من القرن السادس، كنيسة الميسه (المسيح) من القرن السادس، دير مار الياس (الكوكب) من القرن الحادي عشر، تسجل هذه الكنائس وتحافظ على ذكرى اهم اعلام المسيحية من العذراء مريم الى عوبديا وانسطاسيا وثيودوروس، الى القديسة برباره ابنة عابود ورمز الصمود الاسطوري امام الصعاب رغم الرقة والجمال والنعومة، ثم الراهب الياس العابودي ابن القرية الثائر، الذي تعرض للمطاردة والتشرد والتهجير، ولكن عندما عاد لقريته بعد ما يقرب من عشرون عاماً، عاد اليها راهباً متعبداً، حمل فكرة تأسيس دير في القرية للتنسك والتقرب الى الله، بناه بنفسه بمساعدة اهالي القرية، واسس به مكتبة متواضعة كانت الاولى في المنطقة من حيث الكتب والمخطوطات الثمينة، كل هذا وغيره من صفحات تاريخ هذه القرية، تخبرنا بكل امانة، عمق هذا الايمان الذي استمر ينتقل في قلوب المؤمنين به من جيل الى جيل، وصفه قول الشاعر:
ايماننا الحي القديم ميراثنا من الجدود
به على الولا نقيم صوناً لهاتيك العهود

تتعرض القرية اليوم لهجمة شرسة من قبل الاحتلال الاسرائيلي، فقد اقدمت قوات الاحتلال منذ بداية احتلالها للأراضي الفلسطينية على العديد من الهجمات والاعتداءات على هذه القرية، من قلع لاشجار الزيتون وتجريف الحقول والاعتداء على الاهالي وقتلهم وطردهم ومصادرة اراضيهم وارزاقهم وحتى الابتسامة عن وجوههم، وكان منها إقدام الاحتلال سنة 2002 بالاعتداء على اقدس مقدسات هذه القرية، فقد قام الاحتلال بتفجير كنيسة القديسة بربارة، بحجة ان مطلوبين للاحتلال كانوا مختبئين بداخلها، فأقدم جنود الاحتلال على فعلتهم هذه ضاربين كل القيم الدينية والانسانية عرض الحائط، ومتخذين من ظلام الليل ساتراً لهم ليعيثوا بالارض فساداً في الظلام كما اللصوص، وقد قامت السلطة الوطنية وبتوجيهات من الرئيس الراحل ياسر عرفات بإعادة بناء الكنيسة مرة اخرى، لكن الايام اثبتت ان النية الاسرائيلية كانت مبيتة شراً للقرية كلها بهذا التفجير، اذ كانت تهدف الى بناء جدار الفصل العنصري في منطقة الكنيسة، لكن بسواعد ابناء القرية وبدعم قوي من الاصدقاء والمؤمنين بعدالة قضيتنا وبوقوف صلب من الكنائس المسيحية في فلسطين، فقد تمكنت وحدة كل هؤلاء من إبعاد الجدار عن الكنيسة، ففي يوم 2|11|2005 تم ابلاغ المجلس المحلي لقرية عابود رسمياً بالنية الاحتلالية لبناء الجدار، الذي يصل طوله في المنطقة الغربية من عابود الى 12.6 كم بعرض 60 متراً (الجدار مع الارتداد) اذ يبتلع بهذه الحالة ما مقداره 1449 دونم من اراضي القرية، كما انه يقتطع ما مقداره 3887 دونم من اراضي القرية خلفه، بحيث تصبح اراضي مصادرة خلف الجدار لا يستطيع اصحابها الوصول اليها بفعل هذا الجدار، وبهذا تكون قرية عابود قد خسرت ما مجموعه 5336 دونم من اراضيها بسبب هذا الجدار، وهذه خسارة فادحة تؤدي في النهاية الى تجفيف مصدر دخل ورزق ابناء القرية مما يدفعهم الى البحث عن مصادر رزق اخرى.

عابود: القرية التي يسكنها اليوم 2662 نسمة، 50% منهم مسيحيون و50% مسلمين، القرية التي تعشق التعايش وتسعى وراء الالفة والانسجام والتوافق، هذه هي فلسطين بصورة مصغرة من خلال نموذج عابود.

يقودنا الامر هنا الى مشكلة هذه القرية الاساسية، التي كما وصفها الكثيرون "القرية التي تسحر الناظرين اليها" لماذا يهجرك ابنائك ايتها القرية الجميلة؟ هل السبب كامن وراء الاحتلال وعدم الاستقرار السياسي، ام انه في غياب العدالة الاجتماعية والسياسية، ام في الغموض في الرؤى المستقبلية وتعثر العملية السلمية، وغياب افق سياسي يؤدي في النهاية الى استقرار الوضع العام في البلاد، ام ان المسيحي الفلسطيني يعاني عدم الوضوح في هويته الدينية والقومية ولا يشعر بالتواصل الواضح بين الامرين، ام ان الامر فيه تأثير من الاخر، بمعنى ان المد الاسلامي وهذه الصحوة الاسلامية التي افضت الى مد اجتماعي واقتصادي وسياسي عام أشعر المسيحي بنوع من النقص النسبي وعدم تمكنه من الحفاظ على وجوده بشكل جيد، ام ان الاخوة في الدين لا يلتفتون الى المسيحي الشرقي، وان هذا المسيحي الشرقي لا يشغل حيزاً في العقل الغربي، مما افقد المسيحي الشرقي ثقته باخوة الدين في الغرب وبالتالي جعله يبحث عن مصلحته بيده دون توقع المساعدة من احد، ام ان الامر يقودنا التى التفكير في عملية تصنيف المجتمع الى طبقية مبنية على اساس ديني، وتؤدي الى عدم المساوة امام القانون على مبدأ المواطنة المتكافئة، كل هذه وامور عديدة اخرى.

من كل ما سبق من اسباب، تصور المسيحي الفلسطيني ان في امر الهجرة من بلاده، خلاصاً من هذه الامور مجتمعة او بعضها، وتفاديا لاي شكل من اشكال المواجهة مع اي مشكلة من هذه المشكلات فقد آثر الرحيل، غير عالم ان خطر وضرر الهجرة عليه وعلى اسرته وعائلته وبلاده ودينه اشد فتكاً على الجميع من خطر مواجهة اي من هذه الاسباب السابقة.

يقول الامير طلال بن عبد العزيز آل سعود احد الامراء السعوديين: ان هجرة العرب المسيحيين من العالم العربي الى الغرب في حال استمرارها هو ضربة عميقة توجه الى صميم مستقبلنا. ويذكر الكاتب محمد خالد من ابو ظبي: لا تهم نسبة المسيحيين في الوطن كله، فالملح في الطعام لا يشكل غالبية مكوناته، لكنه يعطي الاكل نكهته اللذيذة، ويضيف: ان من كبريات جرائم الاستعمار في فلسطين التركيز على تهجير المسيحيين الى الخارج.

احمد - مصر
هذه الايام الغرب مشغول في صراعه مع الجماعات الاسلامية التكقيرية، وليس احد في اهتمامه, لا مسيحيون ولا مسلمون ولا غيرهم، المسألة كلها تنحصر في صراع الغرب مع الاسلام السياسي، هذه هي المسألة.

مفدي امين - مصر
ليس الغرب مسيحي اصلا، ولا يهمه المسيحيين الشرقيين على الاطلاق.

رائد - رام الله - فلسطين
كل الاحترام للاب ابراهيم على جهوده الكبيرة في تذكير العالم بان فئة منسية في الشرق تدعى بالعرب المسيحيين.

عبد المسيح - الموصل- العراق
البعد الحضاري والوجودي للعرب المسيحيين هي العروبة، ونحن نفخر بعروبتنا وانتمائنا الشرقي، وعلينا العمل على صمودنا وبقائنا مع اخواننا في هذا الشرق الجميا.

حرز - مصر
اتفق مع الاخ من الموصل، فالعروبة هي الضمان الوحيد لحضورنا في الشرق.

هاني - اسوان- مصر
اشار الاب ابراهيم مرارا الى ان العرب المسيحيين هم الوحيدون في العالم اليوم المحرمون من الحج المسيحي بسبب احتلال اسرائيل للارض المقدسة، ولا احد يدرك هذا الامر بعد، كل انسان يذهب لحجه ولا ينتبه ان هناك من هم لا يتمكنون من الحج، امثال: مسيحيي العراق وسوريا ولبنان والاردن ومصر والسودان والخليج وايران وغيرهم،،

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
الشيخوخة هي فقدان الامل في التغيير " نوال السعداوي"