المشهد العام: وقبول الآخر

تأصيل

الأب إبراهيم نيروز - قراءة المزيد لهذا المؤلف

من يتابع المشهد الدولي العام، والشرق اوسطي على وجه الخصوص، يلمس ان هناك ميل (يتضح كثيرا في مناطق الشرق الأوسط واواسط وجنوب شرق اسيا وافريقيا) نحو التفكك والتجزأ والتفتيت، على اسس دينيه او طائفيه او عشائريه او فئويه، او حتى على ارضيه المصالح الضيقة، وهذا يتضح في ما اطلق عليه اصطلاحا بالربيع العربي، الذي اجتاح منطقتنا العربية تحت شعارات الحياة الأفضل للشعوب، والديمقراطية وحقوق الأنسان، بكل ما في هذه الشعارات من صحه واهمية، الا انها قد افرغت من مضمونها بشكل واضح للعيان، فلم تعد الشعوب تبحث عن العنب، بقدر ما بدأت تقاتل الناطور، وفق المثل الشعبي المعروف (بدك عنب ام تخانق الناطور).

وصل، او أوصل العالم الى حاله من الشلل التام، الذي جعله يبتلع الامر ويهضمه ويركبه ضمن مفاهيمه الذهنية والعقلية والثقافية، على انه امر بديهي يجب ان يكون، دون ابداء أي اشارة اعتراض، ولا يخفى على احد ان هذا الميل مرشح للاستمرار بفعل ظروف واجواء متعددة الاسباب والمنابت، مثلما يحدث في ما يسمى بحالة الربيع العربي هذه، من ناحية، ويحدث ولازال من مدة طويلة -على سبيل المثال لا الحصر- في كل بلاد الشام وماحولها.

هذا الميل يسير بالعالم الى تعميق اكثر لروح العصبية والتمركز على الذات وعدم القدرة على استيعاب الآخر المختلف، ليس فقط المختلف دينيا بل طائفيا وعشائريا وفئويا واقليميا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا وغيرها.

تحت مسميات عديدة من الحوار والنقاش والايضاح والتعرف على الآخر، تظهر لنا حالة من تناول هذا الآخر بسخرية من العقيدة التي يتبناها، والفكر الذي يحمله، والذهنية التي نشأه عليها، تقود الى شيطنته وتكفيره ووضعه في خانة الآخر غير المرغوب فيه، وبوجوده، وعقليته، مما يؤسس لحاله من الصمت والاستسلام احيانا امام التخلص من وجوده وحضوره والاعتداء على هويته الدينيه والروحيه والايمانية والفكرية والثقافيه والوجوديه وغيرها.

تحت مسميات عديدة ايضا، نجد ان هناك ميل من نوع جديد، وهو الميل نحو فهم الآخر من المنطلق الشخصي للفهم، فاذا اخذنا الجانب الديني كمثال على هذا الأمر، فانه يظهر ان فهم المسيحي للاسلام او فهم المسلم للمسيحيه هو فهم ذاتي ولا يصل الى فهم الدين كما يفهمه اتباعه، وهنا يعجز المرء عن فهم الآخر، لان مفردات الفهم هي مفردات شخصيه خالصة، لا تساعد في فهم الآخر نهائيا، لان منطق فهم الآخر وجب ان يكون كما يفهم الآخر فكره، ويعبر به عن نفسه، لا ان يفهم الانسان فكر الآخر وعقيدته بفكره الذاتي وعقيدته.

هناك مفاعيل مغذية في المجتمع عامة للتفرقة والنزعه التعصبية، سواء بالمباشر او بالامباشر، وتتحمل جهات كثيرة المسؤولية عن مفاعيل التغذية السلبية هذه، رغم حسن النوايا أحيانا، فهناك من حاول ان يقدم مساعدة في مجال التقارب بين اتباع الديانات والافكار والعقائد والذهنيات والثقافات وغيرها، دون ادراك لحقيقة التركيبة العقلية والقيمية للمجتمع ككل، فقد أساء اكثر مما افاد (جاء يكحلها عماها) ويتضح هذا من المبالغة الشديدة في الدفاع عن عروبة المسيحي مثلا، وانتمائه، ومن انه ابن لهذه البلاد، واحيانا الحديث عن الشعب العربي على انه مسلمين ومسيحين، وكأن الرسالة المبطنة (المنهاج الخفي) مفادها ان الشعب العربي ممزق وليس موحد، الى اقلية واغلبية، موالين ومعارضين، متحدين ومنقسمين، وغيرها من المسميات، التي تدخلنا في تصنيفات ومجاميع، نوجدها ونخترع حضورها، ونفترضها على انها واقع، في حين انها خارج اطار الواقع تماما، وهي تصنيفات غير موجودة الا في العقلية والذهنية التعصبية الفئوية الفردية، التي تنادي بتفتيت المفتت وتمزيق الممزق وتقسيم المقسم.

وعليه فان الامر لابد له من بديهيات تحدد وتنظم هوامشه ومحدداته وهي على ما يلي:
• التمايز والاختلاف في شتى المجالات الفكرية والدينية والحياتية وغيرها، امر مشروع ومنطقي ومبرر، ويزيد المشهد جمالية ونظام، ونكهة وشكلا لأن الله منذ البدء اعد الكون هكذا.

• كما ان التمايز والاختلاف في شتى المجالات، اذا ما احسن التعامل معه، يمكن ان يكون مصدر غنى ايجابي للمجتمع، يؤدي بالضرورة الى دفع عجلة التقدم والتنمية الى الامام، اما اذا ماتم تجاهله وعدم إحكام العقل والمنطق بالتعامل معه، فيمكن ان يكون قنبلة موقوته تؤدي الى تفجر المجتمع واقتتاله وصراعه داخليا وبالتالي فتح الباب لمن يريد العبث بالوحدة الوطنية في الخارج بأيدي داخلية او خارجية، وبهذه الحالة نستنزف كل الطاقات الكامنه من ناحية، وانشغال المجتمع بالصراعات والخلافات من ناحية، وبالتالي يهمل المجتمع عملية التمنية والتقدم وينشغل في صراعات لا مبرر لها تؤدي به الى استنزاف مكامن قوته، والى تفريغه من مكامن نهضته وتتطوره، كما ان هذه ستؤسس لمجتمع طارد لكفائاته وامكانياته العلمية والثقافية والمالية وغيرها، وسيكون المجتمع ككل هو الخاسر الاكبر من جراء هذه الحالة.

• علينا ان نصيغ منهاجا حياتيا يشجع على ثقافة قبول الآخر، كي يصبح هذا الامر ثقافة مجتمع وحالة متأصلة في التركيبة البشرية ذاتها، وبشكل عفوي وليس مصطنع.

• رغم عدم ايماني بنظرية المؤامرة، الا انني لا استطيع تجاهل، ان هناك من يتربص بنا لإعتبارات خاصة، ويحاول جر المجتمع ككل نحو التركيز على الاختلافات رغم قلتها، وإظهار ما هو مختلف على انه امر اساسي وهام، وان الصراع بين فئات المجتمع هو امر حتمي، لا بل لابد ان يأتي يوما ونخوض فيه، فتبدأ التعبئه للمواجهة، والتجهيز للمنازلة، والتحضير للصراع الوهمي الذي ظنه البعض واقعي واساسي، اما اذا اسسنا لبيئة لا تستجيب لهذا الواقع، وغير صالحة لقبوله، فسيكون لدينا مجتمع قوي ومحصن من العابثين به.

• المجتمع الذي يتميز بكيفية استيعاب فئاته الدينية والثقافية والسياسية والعشائرية وغيرها، هو مجتمع يحمل في طياته صفة المجتمع المتحضر، ولا يمكن التغاضي هنا عن الانقسام السياسي الذي يعاني منه المجتمع الفلسطيني، الذي اتى كنتيجة لعدم وعي المجتمع لحقيقة استيعاب الآخر المختلف لعقود زمنية طويلة، انتجت لنا هذا الانقسام الحالي، وهذا يؤكد ضعف المجتمع وهشاشة قيمه، في مسألة قبول الاختلاف، واحترام الآخر المختلف، فالانقسام الحاصل اليوم على المستوى السياسي، هو نتيجة طبيعية لمجتمع لا يحمل قيمة قبول الاختلاف في تركيبته وذهنيته، ويعتبر المختلف عنه فكريا او دينيا او ثقافيا جهة معادية متربصة تسعى للانقضاض عليه، وبالتالي عليها الاستعداد للدفاع او للهجوم ان دعت الحاجة، فاصلاح هذا الواقع في الانقسام لا يمكن ان يؤتي أوكله الايجابيه، الا بعد ان يسعى المجتمع لإدخال قيمة قبول الاختلاف الى التركيبة التراكمية لذاته الفرديه والمجتمعيه.

• ان التربية الصحيحة المبنية على اسس علمية وحضارية جيدة وسليمة، هي بمثابة الطريق السليم نحو تحقق الارتقاء والتنمية، وهي ايضا المنتجة لجيل سوي مؤمن ايمانا قويا متينا وصحيحا، يكفل له ان يخوض في تحديات الحياة وتياراتها الجارفة، دون خوف او وهن.

عند الحديث عن الارض المقدسة وما لها من اهمية كمحتوى مكاني لتاريخية الحدث الديني لمختلف الأديان، فان في ذلك تواصل بالارض وكل ما عليها من بشر وحجر وشجر، أي بكل مابها من تراث وحضارة وبيئة، والمقصود بالبشر من هذه الزاوية، الجهة التي يتم تطبيق الايمان من خلالها، ومن هنا نفهم الايه الكريمة الواردة في رساله يعقوب التي قالها متحديا المؤمنين في مجال تطبيق الايمان بشكل عملي في الحياة، فقال: "ارني ايمانك بدون اعمالك، اريك ايماني باعمالي" أي انه لايمكن للاعمال ان تكون واضحة، الا من خلال الآخر، الذي يتم تطبيق الايمان من خلاله، والآخر هنا، كل البشر على كافة اختلافاتهم، وفي سياق الحديث عن الوحدة الوطنية وتكاثف الجهود من اجل السلم الاجتماعي، والتواصل مع شرائح المجتمع، بهدف التنمية الشاملة، فهذا بمثابة حث على التواصل بالآخر سواء من نفس الشريحة المجتمعية او من الشرائح الاخرى، وهذا ايضا حث على التواصل الايجابي بالآخر.

العمل على ازالة الظلم الاجتماعي، واغاثة المحتاج، والاصغاء الى صرخات المظلوم، واسعاف الجريح، وزيارة المريض، والتواصل مع عائلات الشهداء، والصلاة لله كي ينظر راحما الى المجتمع والوطن والشعب، كل هذا انعكاس واضح على التواصل بالاخر، فرفع الصلاة لاجل المجتمع هو بمثابة الصلاة من اجل الآخر المختلف الذي يشاركنا في المجتمع، فذكر المجتمع ككل، والوطن ككل في الصلاة، كي يمده الله بالرعاية والحماية والنعمة والبركة وغيرها هو بمثابة الصلاة لاجل الآخر المشابه لنا بالعقيدة والفكر او المختلف عنا.

ان الحديث عن الدين وقيمه الساميه، هو حديث عن محبة وايخاء ومساواة وتضامن وغيرها من القيم السامية، كل هذه امور تسعى الى ان تخلق في الانسان ثقافة الانتماء الايجابي، والتواصل المتناغم والمنسجم مع ذاته ومع مجتمعه، فهذه القيم لايمكن الحديث عنها دون التطرق الى الآخر والتعاطي معه، والتاريخ المشترك، والتحالف في اوقات الشدة، ومحصلة العمل الدؤوب كانجاز حضاري مشترك للجميع، يعطي ثقه بالنفس لدى المواطن العادي من انه شريك فاعل، وان اسهامه، واسهام اجداده من قبله، وبالتالي سيكون اسهام اولاده من بعده، في بلورة وانتاج الحضاره العربية هذا يعطي دافعا للاستمرار بالعمل، لمصلحة هذه الحضارة العربية التي تواصل بها الجهد فانتج حضارة.

وان هناك حاجة ماسة وملحة، لتطوير نمط تفكير للاجيال الصاعدة، ووضع خطط عمل حقيقية وجادة لبناء جسور متينة نحو الآخر المختلف، بكل أشكال الاختلاف، وعلينا إعداد جيل واع مستعد لمد هذه الجسور، وتدعيمها وصيانتها كلما دعت الحاجة، وقبول الآخر كما هو، جيل قادر ان يكتشف هذا الغنى وهذه الايجابية من هذا التنوع بكل اشكاله، وان يرى الامور من منظور جديد، ليس من باب التنافر والاختلاف، بل من باب التوافق والانسجام، كي يكون المواطن مستعدا ومتأهبا لكل عمل صالح.

من هنا نجد ان هذه الطريقة وهذا الفكر وهذه الثقافة، تكاد تكون الوحيدة، التي تعطي ابنائنا الامكانية الجيدة للتصدي اليوم، لما يسمى بالعولمة الثقافية، وغيرها من اشكال العولمة.

نانسي - نابلس
مرحبا اذكر قولا لصلاح الدين عندما فتح القدسK احدهم جاء يهدم كنيسة القيامة فقال: أنقرها عمر واهدمها؟ الاخر المختلف اب ابراهيم سواء مسلم مسيحي يهودي حتي بوذي ما دام لا يتعارض مع ديني ومعتقدي ونتبادل ثقافات جيدة، لا مانع، لا يضركم من لم يخرجوكم من ارضكم ان تبروهم، وانهي: نحن اخوان في الانسانيه جففت ثيابنا شمس واحدة.

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء