مِن مصلحة مَن أن يكون الشرق العربي بلا مسيحيين؟

رؤية

ريموندا حوا الطويل - قراءة المزيد لهذا المؤلف

زيارة بابا الفاتيكان إلى لبنان في ظل الظروف الراهنة تعكس اهتماما وقلقا بالغين حول التواجد المسيحي في الشرق العربي، ذلك أن ما جرى في العراق من احتلال وتشريد وتهجير وقتل على الهوية وتقسيم للبلاد والعباد طائفيا ومذهبيا، وجد له صدى بشكل أو بآخر في بلاد عربية أخرى، ولأول مرة نرى في شرقنا العربي مثل هذه المسألة تطرح بهذا الشكل البغيض، إذ أن ثقافة المنطقة العربية المؤسسة على التسامح وقبول الآخر والتعددية والانسجام القائم على الندية والاحترام والمشاركة، لم تعرف عمليات الإقصاء أو القتل أو النفي أو الاحتقار أو التمييز أو العنصرية. كان المسيحيون في بلادنا العربية دائما وأبدا جزءً أصيلا من حركة المجتمع والأدب والفن والسياسة.

وبهذه المناسبة لا بد لنا من أن نذكر كيف أن الأخطل – وهو الشاعر العربي المسيحي – كيف كان يدخل على أمير المؤمنين ولحيته تقطر خمرا، وكيف كان هذا الشاعر – الذي انضم لحزب الأمويين – يهجو رجالات فريش وغيرهم من الأحزاب المنافسة في تلك الفترة، يعني ذلك أن الأخطل لم يرَ نفسه غريبا عن ثقافته وشعبه ومجتمعه، ولم يرَ في نفسه أنه أقل من أن ينافس غيره وان ينحاز إلى حزب ضد اخر، باعتباره وقبيلته جزءً لا يتجزأ من نسيج المجتمع.

كما أن الأحزاب الأخرى لم ترَ فيما يفعله غريبا أو مستهجنا، إذ لم يعير بمسيحيته ولم يتهم بعروبته، وهكذا كان المسيحيون العرب طيلة فترات التاريخ في بلادنا العربية كلها، فقد شاركوا في التصدي للهجمات الإفرنجية التي دامت ثلاثمئة عام على بلادنا، ولم يسجل أنهم خانوا أو انحازوا أو تعاونوا مع الغزاة، وذلك ببساطة أنهم رأوا أن هؤلاء مجرد غزاة وأن بلادهم وشعبهم هي الابقى والأغلى. أقول هذا الكلام وأنا استغرب جدا لما أرى ولما أسمع من انفجار للطائفية والمذهبية، ومن تفكك وتقاتل أعمى حول الهويات، وكأن هناك هوية تستطيع إلغاء هوية أو تذويبها أو إنهائها.

وحتى أكون واضحة تماما فيما أقول، فإن الإسلام ليس عدوا للمسيحيين أبدا. بالعكس من ذلك تماما، كان الإسلام دائما حاميا للمسيحيين وحتى لليهود في الشرق، فتعاليم الإسلام الصافية النقية تدعو إلى التسامح وعدم الإكراه والاحترام والحفاظ على اهل الذمة. أما هؤلاء الذين يقومون بالتغييرات الديموغرافية من طرد وقتل وتهجير فهم لا يعرفون ولا يريدون معرفة تعاليم الإسلام أبدا. فمن قال أن طرد المسيحيين الاشوريين من العراق يجعل من العراق أفضل؟! ومن قال أن قتل المسيحيين في سوريا أو تهجيرهم أو مصادرة أملاكهم سيجعل من مستقبل سوريا أفضل؟. أبدا،ان ما يجري جزء من أجندة خارجية تريد أن تحول البلاد العربية إلى دول طوائف أو دول عشائر وقبائل، أجندات تريد أن تحول البلاد العربية إلى مرحلة ما قبل الدولة، أجندة تريد ان تحول المجتمعات العربية إلى مجتمعات متناحرة في حرب أهلية لا تهدأ أبدا. وللدلالة على ما أقول، فإن المسيحيين في الشرق العربي مثلهم مثل باقي الطوائف يتعرضون للقتل والتهجير والمصادرة، أي أن المسيحيين يدفعون ثمن هذا التحول الإجباري ويتحملون مثل غيرهم ضريبة هذه المرحلة. وبالتالي فان الكلام عن ظلم يلحق بالمسيحيين بشكل خاص هو كلام مبالغ فيه، ولكنه صحيح أيضا بسبب عددهم القليل، إذ أن نسبة المسيحيين تتناقص بشدة في البلاد العربية، بسبب إحساسهم بعدم الأمان أولا والرغبة في عيش أفضل ثانيا ولان سياسيات الأنظمة الحالية سيئة ثالثا.

فالأنظمة البائدة والقائمة فشلت في سياسات التنمية والتطوير، وبالتالي فان الفقراء يزدادون عددا ونوعا، وهي بيئة مناسبة للتطرف والتشدد، وفي ظل غياب ثقافة التسامح وقبول التعددية فان ذلك مدعاة لان تدفع الأطراف الضعيفة وغير المحمية الثمن. أمر آخر هام، هو ان الأصوليات المتكاثرة في العالم ومنها بلادنا العربية هي أصوليات تنتهج العنف وسيلة لاحتكار السلطة أو امتلاكها وبالتالي، فان هذه الأصوليات التي تغلق باب الجدل والنقاش باعتبارها تملك الحقيقة ترى في أية جهة لا تشبهها أو لا تؤمن بمثل ما تؤمن أنها عدو تجب مقاتلته، وهو ما يفعلونه مع كل الطوائف وليس المسيحيين فقط.

بمعنى آخر، فان المسيحيين في الشرق الأوسط هم ضحية مثل غيرهم، ولكن مأساتهم أنهم أقلية وأنهم من دين آخر وأن العالم الغربي يسلط الضوء عليهم. وهو ما أراد البابا أن يفعله في زيارته إلى لبنان حيث جرى التأكيد على المؤكد والثبات على الثابت، فالمسيحيون أهل بلاد وشركاء قرار وأصحاب بيت يلزمهم ما يلزم الجميع وعليهم ما على الجميع، ولكن زيارة البابا أيضا حملت معها رسائل أخرى مختلفة، فقد اختار لبنان باعتبار أن هذه الدولة تمثل نقطة التقاء الشرق بالغرب، ونقطة تمازج حضاري وثقافي، وذات وجود مسيحي أصيل، وهي مهددة بفوضى لقربها السياسي والجغرافي والوجداني مع سوريا، وللتهديدات الخفية والعلنية الداخلية والخارجية التي تطال شكل الحكم في لبنان وطبيعته وتوجهاته، ولهذا كان البابا واضحا وحريصا في كلامه عن الوحدة والوجود والضرورة وسطوة التاريخ وشروط الجغرافيا، ولهذا أيضا حرص جميع القادة السياسيين والروحيين في لبنان على التواجد والكلام والتصريح بأهمية إبقاء الوضع على ما هو عليه وعدم تغييره أو المساس بالمكتسبات التي تم الحصول عليها والوقوف عندها.

يمكن القول أن زيارة البابا كانت زيارة دعم ومساندة، ولكنها أيضا رسالة تذكير ومحبة وألفة، فقد جاءت في الوقت الذي تستعر فيه البلاد العربية رفضا للفيلم المقزز المسيء لرسول الإسلام محمد، وبالتالي، فقد كان حضوره إلى الشرق حضورا لطيفا وملطفا وأحد عوامل التهدئة وقد استمع وشاهد ما الذي يجري هنا، ورأى حفاوة الناس ولطفهم وكرمهم وإيمانهم الحقيقي بالتعددية واحترام الآخر ونبذ الكراهية والعنصرية.

وكانت زيارته أيضا في وقت يتم الحديث فيه عن تصفيات ديموغرافية تجري في أجزاء مختلفة من سوريا وعن عمليات نزوح هائلة تجري في المنطقة، من شمال العراق ومن حلب وحمص ومن صعيد مصر إلى الغرب، وبغض النظر عن صحة هذا الكلام أو عدمه لكنه يدل على القلق والاهتمام بأوضاع المسيحيين في البلاد العربية.

وللصراحة والوضوح، فمن العيب أن يتحول المسيحيون بشكل أو بآخر إلى رعايا دول أخرى كما حدث في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فالمسيحيون العرب هم أهل البيت، لا يمكن لهم أن يؤجروا ولاءهم أو يبيعوا وجدانهم أو ينتموا إلى غير أوطانهم، فمن العيب تماما أن يضيق الوطن أو أبنائه بهم. ومن العار أن ينقض متطرف أو متعصب على جاره المسيحي وأن يسكت النظام الحاكم على ذلك. وبوضوح وصراحة، فإن من يفعل ذلك فكأنه يقول للآخرين الطامعين: تفضلوا إلى وطني فكلوه ومزقوه وقسموه.

من العار والعيب أن يقتل الأخوة وأن يتحول الصراع بينهم إلى صراع على المذاهب وعلى الأديان متناسين أنهم في مركب واحد. ومن العار حقا أن ننتظر الحماية من الآخرين، ومن العار حقا أن نسمح للتدخل الأجنبي أن يكون بحجة حماية الإنسان وحقوقه.

وللمعلومات فقط، فإن الوجود المسيحي قد تناقص في المشرق العربي بنسبة تزيد على ثلاثة أرباع العدد الأصلي قبل مئة سنة. أي أن السياسات العقيمة أولا ومن ثم التطرف والجهل ثانيا جعل هؤلاء يهاجرون. فمن يريد أن يتصور هذا المشرق بلا مسيحيين، ومن مصلحة من أن لا يكون هنا تواجد مسيحي فاعل ومشارك.

من العيب والعار أن يكون موطن المسيح فارغا من المؤمنين به، فقد كان المسيح هدية الله للعالم، وقد اختاره ان يكون من هذه البلاد المقدسة، فمن العار حقا أن نقتل أو نهجر أتباعه. إن ذلك مخالف للإسلام العظيم الذي كان عمر بن الخطاب - العبقري الأبدي – قد أرسى دعائمه عندما آمن المسيحيين في ديارهم ومعابدهم وحرياتهم الدينية.

ما يحدث اليوم هو ضد ما فعله العظيم عمر بن الخطاب وضد ما فعله نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم من قبل. نحن جزء من هذه الثقافة التي جعلت من الرحمة والتسامح أساس كل عمل. فلماذا – الآن بالذات – يقوم كثيرون بخيانة هذه المبادئ.

Norvin - whgzlRbzOtc
It's posts like this that make surfing so much pelausre

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء