سهيلة اندراوس\ نضال من الزمن البعيد

ضيوف ومبادرات

الأب إبراهيم نيروز - قراءة المزيد لهذا المؤلف

لا بد للطير المهاجر أن يعود، هجرة الطيور في ظاهرها طوعيه ولكن في باطنها قصريه، يهاجر الطير عندما يتغير المناخ في بلده ويعود إليها عندما يعود المناخ إلى طبيعته، يهاجر عندما يأتي البرد والثلج والمطر، ويعود عندما يأتي الربيع وتورق الأشجار وتغرد الطيور وكأن القاعدة هي الربيع والاستثناء هو الشتاء، هكذا الفلسطيني، انه طائر مهاجر، يبقى في بلاد الأغراب إلى أن يزول الشتاء ويحل الربيع، ويعود ما هو طبيعي وغير دخيل.

تمر بلادي اليوم في فصل شتاء طال أمده، شتاء صعب بارد قاسٍ، يكاد يقتل كل شيء، أجساد باردة تكاد أن تتجمد من شدة برودة هذا الشتاء العنيف، لكن الأمل داخل هذه الأجساد الباردة يتجدد دائماً ولا يموت، يتجدد عند سماع بكاء طفل يولد، عند سماع صوت أسير يتحرر عند سماع صوت مهاجر يعود، عندما تشعر بيد الله القوية تمتد لتمسك بزمام الامور، وعين الله المبصرة تراقب وترى وتعزز الخير وتلوم الشر بصمت رهيب.

في إحدى ضواحي مدينة أوسلو تعيش أسرة طير مهاجر، طير من طيور الصحراء قابل طيراً آخر من طيور حيفا أثناء رحلة الهجرة، وتعاهدا على الزواج وهما في بلاد الأغراب، هذه الأسرة المهاجرة تنبض نبض فلسطين، تتحسس جراح بلادي من بعيد، تحلم في مستقبل زاهر لهذا الوطن المحتل، إنها أسرة الكاتب أحمد أبو مطر، الحائز على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة القاهرة، وزوجته سهيله اندراوس أشهر من ناضلت لأجل فلسطين، وابنتهما ليلى التي تحمل في قلبها جراح الماضي ورواسبه.

رأت سهيله بأم عينها القنابل وهي تتساقط على المخيمات الفلسطينية في لبنان، شاهدت الدبابات الإسرائيلية وهي تدوس الاطفال، عاينت مدناً تهدم، وعائلات تشرد وتهاجر، وأطفالاً تيتم، ونساء ترمل، تناولت سهيله بعض شظايا القنابل وركام الدبابات المترامية في شوارع وساحات المخيمات الفلسطينية ووجدت أنها ذات صناعة أمريكية وألمانية، قررت مع مجموعة من الشباب المتحمس لبلاده أن يلقنوا هؤلاء درساً، وهنا قرروا خطف طائرة ألمانية كانت متجهة من إسبانيا إلى ألمانيا، تقول سهيله أن هذه الرحلة التي لا تتجاوز الثلاث ساعات، أصبحت أطول رحلة جوية في تاريخ الطيران إذ استمرت خمسة أيام، أقسم الشباب وقتها أنه إذا فرغت الطائرة من وقودها فسوف يضعون دماءهم وقوداً لها كي تنجح العملية، واستمر بها الحال أخيراً إلى الصومال، وهناك كانت المشكلة، إذ سمحت السلطات الصومالية للقوات الخاصة الألمانية باقتحام الطائرة ولكن بشرط تسليم المختطفين إلى الحكومة الصومالية، وهنا قرر الألمان قتل جميع المختطفين بداخل الطائرة كي لا يسلموهم إلى الحكومة الصومالية، وعندما تمكنوا من اقتحام الطائرة قتلوا اثنين، أما الثالث فقد إخترق جسده أكثر من ثماني رصاصات، كان يصارع الموت أطلقوا عليه رصاصة قاتلة وهو على الأرض ففارق الحياة في الحال، لكن سهيلة والتي كانت مصابة بسبع رصاصات كانت لا تزال واقفة ومتماسكة، وعندما صوب إليها ضابط ألماني مسدسه لقتلها، دفعه ضابط صومالي من الخلف فانحرفت الرصاصة عنها ونجت سهيله، وقد عقبت سهيله على ذلك بقولها، لقد بقيت على قيد الحياة بالصدفة وبمساعدة ذاك الضابط الصومالي.

هكذا بقيت سهيله بكل جراحها أكثر من سنة في السجون الصومالية، لا يؤنسها في وحدتها إلا آلامها وجراحات جسدها الذي تسلل إليه الكثير من الأمراض، كان أخطرها تلك الجرثومات اللعينة التي وجدت سبيلاً إلى أقدامها فأصابتها بالإعياء، مما دعا إلى العفو عنها، وعادت البطلة إلى لبنان بعد صمود أسطوري أمام السجن والمرض والألم، بعد شفائها قررت سهيله أن تعود إلى حياتها الطبيعية فأتمت دراستها وحصلت على درجة الماجستير، وتزوجت من أحمد وتنقلت مع زوجها من لبنان إلى عمان ودمشق ولارنكا واستقر بهما الحال في أوسلو وأنجبت سهيله ابنتها ليلى، ومكثت هناك عدة سنين، كل هذه المدة التي تجاوزت الخمس عشرة سنة، تذكرها سهيله يوماً بيوم وبشكل جيد، كانت دموعها تستوقف كلماتها، والكلمات لا تسمع منها، فتقف الدمعة وكأنها لا تجرؤ على النزول من عيونها، يخجل الدمع أحياناً أن ينهمر على وجنتي العظماء، وهذا ما حدث بالفعل، فقد أدركت أنني أجلس أمام امرأة ليست كنساء العالم، مناضلة ليست كمناضلات العالم، وهنا تدخل أحمد كعادته لتلطيف الجو وسأل أن يقدم لنا كأسا من القهوة وبعض العنب.

تابعت سهيلة حديثها وقالت: ذات ليلة قرع جرس باب المنزل وإذا بعناصر من القوات الخاصة النرويجية تسأل عني، وقالوا لي، المنزل محاصر فلا تحاولي الهرب، هذا ما يظنه الغرب عنا، فنحن في نظرهم إرهابيون خطرون، نخطط دائماً للهرب ونستغل حسن نيتهم، لهذا فقد قرر قائد القوة الخاصة أن يضع حراسة عليها حتى أثناء تغيير ملابسها، فكم هذا مذل، وأين هي المواثيق الدولية وحقوق الإنسان التي يتغنى بها الغرب، فهذه المواثيق تعمل لحساب الإنسان الغربي فقط، أما أمام الإنسان العربي فيصيبها عطل يفقدها العمل، هذه هي الديمقراطية بالمفهوم الغربي.

ظنوا انهم أمام إرهابية محترفة، تنتمي إلى إحدى الجماعات الإرهابية الخطرة في العالم، وإذا هم أمام امرأة يحمل وجهها الطفولي براءة مذهلة، كم أنت خطرة يا سهيله على أمن المجتمع الدولي، ففي براءة وجهك خطر على البشرية، ساقوها إلى مركز الشرطة وهناك عرفت أن الحكومة الألمانية قد طلبت من الحكومة النرويجية تسليمها إليهم، عرفت سهيله اللعبة واتصلت بسرعة ودون علمهم بالإذاعة النرويجية التي وضعتها على الخط المباشر مع الجمهور، وأعلنت باللغة النرويجية التي تتحدثها بطلاقة أنها إرهابية مسيحية أوروبية من النرويج، وهنا وبعد ساعات معدودة قامت الدنيا ولم تقعد، كانت عناوين الصحف ونشرات الأخبار تتساءل من هي هذه الإرهابية المسيحية النرويجية، لقد قلبت سهيله كل المقاييس، فبعد أن كان مقرراً أن تُرحْل إلى ألمانيا في صباح اليوم التالي، وبضغط من قطاعات يمينية متعددة من الشعب النرويجي بقيت سهيله في أوسلو لحين صدور قرار محكمة نرويجية يقضي بتسليمها للحكومة الألمانية أم لا.

بقيت القضية تسعة اشهر مطروحة أمام القضاء النرويجي، وكاد القضاة أن يحكموا لصالحها ويرفضوا طلب الترحيل إلى ألمانيا للمحاكمة، إذ انه ليس من العدل أن تحاكم سهيله مرتين على قضية واحدة، فلم يحدث هذا من قبل أبدا، ولكن وفي جلسة النطق بالحكم تم استبدال القضاة الخمس بخمسة جدد متفاهمين مسبقاً مع قرار الحكومة النرويجية السياسي لترحيلها إلى ألمانيا، إضافة إلى أن هؤلاء القضاة لم يكونوا قد تابعوا مجريات القضية من الأول، فحكموا على سهيلة بما أملي عليهم مسبقاً وذلك بالترحيل إلى ألمانيا لتقدم هناك أمام القضاء الألماني بتهمة خطف طائرة ألمانية، وهنا بدأت رحلة عذاب جديدة لهذه المناضلة.

بالفعل تم ترحيل سهيله إلى ألمانيا، وهناك واجهت تهمة خطف طائرة ألمانية، وقد استمرت المحاكمة سبعة أشهر كانت نتيجتها أن تم الحكم عليها بالسجن لمدة اثني عشر عاماً، وقد تلقت كلمات الحكم بكل أعصاب قوية، وفي أثناء انعقاد إحدى جلسات المحاكمة سألت سهيله القاضي الألماني، لماذا انتظرتم كل هذه المدة، لماذا لم تطلبوا محاكمتي منذ اللحظة الأولى أي منذ سنة 1979، لماذا كل هذا الانتظار، فرد عليها القاضي رداً غريباً جداً، حيث قال : في الماضي كنا نهاب ونخاف من رد فعل الفلسطينيين أما اليوم فلا نهاب منهم، ردت سهيله عليه وقالت : هذه هي الرسالة التي تريدني أن أوجهها لشعبي إذن، ثُرْ يا شعبي ولا تتوقف لكي يهابك العالم، هذه هي رسالة القضية إذن، كم هو مسكين هذا الفلسطيني، حيث انه متهم حتى تثبت براءته، مبدأ مقلوب يطبق عليك أيها المسكين بين الشعوب، تضرب وتقتل وتسرق أرضك وينهب بيتك ثم يهدم، تغتصب نساؤك ويضرب أطفالك ويشرد شبابك أو يقتلون، تحرم من الماء والغذاء وان تمكنوا فمن الهواء، وإذا رفعت رأسك وقلت أنا عطشان تضرب بحربة في جنبك وتعطى الخل بدل الماء لتشرب وإذا رفعت صوتك يقال لك اصمت فصوتك نشاز، أما إذا تجرأت أكثر ورفعت يدك، فهنا يقال عنك إرهابي قاتل، ترفع يدك لتقتل، ما أشبه اليوم بالأمس، فالعالم يتفنن ويبتكر كل يوم شكلاً من أشكال قمعك وهدم عزيمتك.

قبلت سهيله الحكم طائعة، إذ ليس في يدها خيار آخر، وصرف احمد الأخضر واليابس على هذه القضية من مواصلات ومصاريف وأتعاب محاماة وما إلى ذلك، لقد كان احمد أبا للابنة ليلى التي لم تكن قد تجاوزت الخمس سنوات من عمرها، ولكن الآن لبس احمد ثوب شخصية إضافية ألا وهي شخصية الأم، فقد قطع كل علاقاته بالأصدقاء والجيران والأحباء وتفرغ لابنته ليلى، التي عوضته جزئياً عن غياب رفيقة الدرب، وملأت وقته وحياته، وانتظر الاثنان في غاية الصبر عودة الأم المناضلة من نضالها إلى حضن العائلة الدافئ.

كانت تسافر ليلى كل عدة اشهر من النرويج إلى ألمانيا لمقابلة أمها، كان هذا مكلفاً على أحمد، فقد أنفق تحويشة العمر في هذه الفترة، إضافة إلى أنه لم يصمت، فكتب ونشر مقالات عديدة لفضح هذا التصرف الأهوج ضد شعبنا متمثلاً بهذه المناضلة، وقد كتبت الصحف والمجلات العربية والأجنبية كثيراً عن هذه القضية، تقول سهيله لقد كان يصلني الآلاف من الرسائل وبطاقات المعايدة سنوياً إلى السجن، شعرت أن الكثيرين من شرفاء العالم قد وقفوا إلى جانبها وحاربوا حربها، أسمعتني اغنية غنتها فرقة نرويجية عنها وعن قضيتها، قالت لي سهيله أن قضيتين قسمتا المجتمع النرويجي إلى قسمين، قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وقضية سهيله اندراوس.

تمكن أحمد بعد مدة من الحصول على قرار من محكمة نرويجية تطلب فيها من الحكومة الألمانية السماح لسهيله بإتمام فترة محكوميتها في النرويج، وفعلاً نقلت سهيله إلى النرويج، وهنا كانت اقرب من أسرتها وأصدقائها، ومكثت في السجون النرويجية بضع سنوات إلى أن خرجت للحرية في شهر آب من عام 2000 بعد رحلة نضال طويلة، تركت في داخلها شعوراً بالظلم والاضطهاد ممن يدعون احترام حقوق الإنسان، وكل ما تتمناه سهيله اليوم، أن تعود إلى وطنها فلسطين وبالتحديد إلى مدينة آبائها وأجدادها حيفا، وكم أتمنى أن تتحقق أمنيتها وأمنية الملايين من شعبنا الذين يناضلون كي يتحقق حلم عودتهم إلى أرض آبائهم وأجدادهم، وذلك أسوة بالطيور المهاجرة التي وإن طال الزمن فإنها تعود.

أبت فلسطين إلا أن تنهض، وعندما نهضت علت وارتفعت، وعندها كبرت في عيون الأغراب، طمعوا بها، فتلذذوا بتخريبها وتدميرها والاعتداء عليها، ولم يتركوا وسيلة قمع أو تدمير إلا واستخدموها، وعندما هب شعبي للدفاع عنها قالوا عنه إرهابي، همجي، قاتل، فقد خلطوا ما بين القتل هجوماً والقتل دفاعاً، إن حق الدفاع عن الوطن لا يمكن أن يدعى إرهابا فمن حق الشعوب أن تدافع عن نفسها وعن أوطانها بالطريقة المناسبة، فالدفاع عن النفس حق مشروع للجميع منحته المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ساره -
هل تعلم كم من الدموع ذرفت هندما قرأت هذا المقال ؟ لا اقول سوى لك الله يا فلسطين

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
يودعنا الاب ابراهيم نيروز وعائلته الى الاردن ...الزرقاء ...في 30/6/2017... تحملهم رعاية الله