صعوداَ إلى رأس العين \ في حاضرة كانتربري

مشاركات

الأب إبراهيم نيروز - قراءة المزيد لهذا المؤلف

عرين الكنيسة الانجليكانية وقدس اقداسها واليها تتجه العيون, تفتح ذراعيها إلى المنتهى لتجمع بين جنباتها الجميع, بعطف الكبير ومحبة الصغير, وبساطة الأطفال وحكمة الشيوخ, العراقة واضحة هناك وضوح الشمس التي يقل سطوعها, إلا إنها فتحت لنا أبوابها نحن الوافدين إليها لتلقي مساقاً بالعقيدة والعبادة والشركة الانجليكانية, وذلك ضمن مجموعة من المقبلين على الرسامة المقدسة او الذين قبلوا هبة الرسامة حديثاً, من عشرين بلداً مختلفاً, جمايكا- جنوب إفريقيا- تنزانيا- نيوزلندا- فلسطين- زامبيا- الهند- سيشل- البرازيل- الولايات المتحدة الأمريكية- هونغ كونغ- سريلانكا- كندا- كينيا- ناميبيا- مدغشقر- بوروندي- الفلبين- نيجيريا- غينيا الجديدة, بواقع ستة وثلاثون طالباً وعدة محاضرين, قدموا جميعاً لينهلوا من العلم ما استطاعوا.

لن أبالغ القول إن قلت إن صفحات التاريخ تكاد تكون شفافة هناك لدرجة انك تستطيع أن تدرك تراكم الزمن في بقعة كهذه من الأرض, اذ تتراكم الأحداث وتتجمع متتالية فوق بعضها البعض كصفحات كتاب يروي لك الحكاية, وكأن الزمن يسير أمامك متجسداً على جدران وأرضيات وأسقف هذه الكاتدرائية العظيمة.

كاتدرائية كانتربري, تلك التي أنشأها القديس اغسطينوس- غير القديس اغسطينوس الذي من هيبو في الجزائر- وذلك في القرن السادس الميلادي وتحديداً سنة 597 عندما قدم إليها على رأس حملة تبشيرية من روما تهدف إلى إيصال المسيحية لبريطانيا, وقد تمكن القديس اغسطينوس (من الرهبنة البندكتيه) وقتها من تبشير ملك منطقة كنت Kent الذي قبل بدوره المسيحية, وقد كانت زوجته مسيحية من قبل, إذ هي ابنة ملك باريس, ويعتقد أنها لعبت دوراً مهماً في هذا الأمر وقدمت تسهيلات للحملة التبشيرية آنذاك, وبعد أن دخلت المسيحية إلى قصر الملك وذلك بعد عماده شخصياً, أصر أن يتم تسهيل مهمة الحملة التبشيرية التي نجحت بوقت قصير من تحويل المملكة للمسيحية, ومنها وصلت إلى الجزر البريطانية الأخرى, واتخذت من مدينة كانتربري في مملكة كنت Kent مقراً لها, ومنذ ذلك الحين ورأس الكنيسة الانجليكانية يتخذ من كانتربري مقراً لها, وبأمر من البابا آنذاك تم تعيين القديس اغسطينوس رئيساً لأساقفة كانتربري ليكون الأول الذي يحمل هذا اللقب, ولغاية اليوم يحمل رئيس الأساقفة الأنجليكاني في بريطانيا لقب: رئيس أساقفة كانتربري منذ بداية القرن السابع ولغاية اليوم.

في عصر الإصلاح واثر الأزمة التي نشبت بين بابا الفاتيكان والملك هنري الثامن, واتجاه الكنيسة في بريطانيا إلى أن تتبنى العديد من أفكار الإصلاح في القرن السادس عشر, وإعلان الكنيسة الانجليزية بشخص رئيس أساقفة كانتربري آنذاك, وبدعم قوي من الملك هنري الثامن الانفصال عن الكرسي البابوي في روما, واستقلال الكنيسة الانجليكانية - - Church of England واعتبار رأس الكنيسة الكهنوتي هو رئيس الأساقفة, جاءت تسمية الكنيسة الأسقفية, التي يرأسها أسقف, واعتبار رئيس الكنيسة الدنيوي هو ملك انجلترا, الذي أصبح فيما بعد ملك بريطانيا كلها.

بنى رئيس أساقفة كانتربري بالقرن الثالث عشر قصراً له في لندن يدعى: قصر لامبث, ليكون مقراً له في العاصمة بعد أن تم بسط نفوذ الملك على كافة أجزاء الجزر البريطانية والمناداة به ملكاً لبريطانيا كلها, وليكون قريباً من موقع السلطة واتخاذ القرار في المملكة, وبالفعل اتخذه مقراً, لكنه حافظ على التسمية التقليدية له التي هي: رئيس أساقفة كانتربري, رغم إقامته شبه الدائمة في قصر لامبث بلندن, رغم احتفاظه بمقرها التقليدي في كانتربري.

يأسرك البناء من روعة جماله وضخامة تكوينه, فهي كاتدرائية مبنية على نظام كاتدرائيات أوروبا عموماً التي اشتهرت عبر القرون الوسطى على النمط القوطي المعروف والمنتشر بالغرب, والذي يتميز بالضخامة الكبيرة والارتفاع الشاهق نحو السماء والأبراج المربعة العالية التي يبلغ ارتفاعها هنا سبعين متراً , والحواف الهرمية المدببة, كما أن هذا النمط يكثر به العناصر المعمارية والزخرفة الجميلة التي وضعت لهدف إضفاء حالة من العراقة والفخامة والعظمة أكثر منها لأغراض إنشائية في البناء, مثل: الأبراج العالية والأعمدة الكثيرة والتماثيل المنوعة والأقواس نصف الدائرية والنوافذ الكبيرة والأبواب عديدة الأحجام والدعامات الضخمة والزخارف الحجرية والخشبية والزجاجية الفخمة والجميلة, كذلك استخدام أنواع كثيرة ومنوعة من الحجارة ذات الألوان الجميلة والمتعددة في أحجامها واستخدامها, كما إن القبور وشواهدها الكثيرة تأخذ أشكالا زخرفيه جميلة تضفي على الكاتدرائية جمالاً فوق جمالها.

هناك العشرات من القبور الموجودة داخل وخارج بناء الكاتدرائية, وهذه لملوك ورؤساء وقادة وأساقفة وبعض الرهبان والقساوسة, وهي قبور مزخرفة بإتقان, ومعدة إعدادا جيداً وعلى معظمها تماثيل غاية في الروعة والجمال, إما لأصحاب القبور المدفونين فيها أو لملائكة وقديسين, ومن أبرز من دفن في الداخل هو القديس توماس باكيت, أحد ابرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالكاتدرائية, والملك هنري الرابع وزوجته, والعديد من أصحاب المناصب الرفيعة في الكنيسة والمملكة.

سنة 1170 جرت أحداث مؤلمة في الكاتدرائية, فقد أرسل الملك هنري الثاني من يقتل القديس توماس باكيت, احد ابرز وأهم الشخصيات في الرهبنة البندكتيه في كاتدرائية كانتربري, والغريب انه قتل داخل بناء الكاتدرائية وسالت دماه على أرضها, ليلة 29/12/1170, لقد كان هناك صراعاً خفياً يدور بين السلطة المدنية في أوروبا ممثله بالملوك والسلطة الدينية ممثله بالبابا في الفاتيكان, وهذا الصراع اشتد كثيراً في القرن الثاني عشر, لدرجة ان كل طرف كان يريد إثبات وجوده, ففي بريطانيا كان القديس توماس باكيت يمثل هذه السلطة الدينية البابوية, ورغم أن العلاقة بين القديس توماس والملك هنري الثاني كانت جيده, إلا أن الأمر كان اكبر من العلاقة الفردية, لذا تمت تصفيته على اعتبار انه يمثل هذه السلطة, ذلك رغم أن القضاء الانجليزي فيما بعد قد منح الملك هنري الثاني البراءة من قتل القديس توماس باكيت, وقد مرت هذه الفترة على رهبان الكاتدرائية بصعوبة بالغة, إذ شعروا أن آمنهم وامن كنيستهم ورهبنيتهم مهدد, ودفن القديس توماس في الكاتدرائية, وفي القرن السادس عشر, عندما تم الأمر للملك هنري الثامن بالانفصال عن الفاتيكان, وبدأت الكنيسة الانجليكانية تظهر إلى حيز الوجود, أرسل من يدمر قبر القديس توماس لاعتقاده انه من رموز الفاتيكان الرئيسية في الكاتدرائية وبالفعل دمر القبر وأنهى وجود الرهبنة البندكتيه في الكاتدرائية واستبدالها بالكنيسة الانجليكانية, وتقول الرواية أن رهبان الكاتدرائية في ذلك الوقت اخذوا جثمان القديس توماس وأخفوه في مكان آمن ولا أحد يعرف أين هو اليوم, والبعض الآخر يقول أن جنود الملك هنري الثامن احرقوا الجثمان بعد هدم القبر, وتقيم الكاتدرائية قداساً سنوياً يوم 29/12 لإحياء ذكرى هذا القديس الذي استشهد في داخل بناء الكاتدرائية سنة 1170.

وفي الجزء الشرقي من الكنيسة وخلف مقعد المعروف بمقعد القديس اغسطينوس الذي يعود للقرن الثالث عشر تقريباً, توجد ساحة تدعى بوابة السماء, محاطة بالأعمدة الرخامية الضخمة والملونة, وحجارة أرضية الساحة مبلطة بعدة ألوان وأنواع جميلة جداً من الرخام والمرمر, حيث كان يوجد وسطها قبر القديس توماس باكيت قبل تدميره من الملك هنري الثامن, ولاعتبارات القداسة لهذا الرجل العظيم, فقد وضع القائمون على الكاتدرائية في نفس المكان ووسط الساحة شمعه مشتعلة منذ ما يقرب من خمسة قرون وإلى اليوم, فقد تحول المكان إلى مقصد للحجاج من كل مكان, حيث يتدفق الحجيج للتبارك به والصلاة عنده, خاصة بعد انتشار أخبار المعجزات الكثيرة التي كانت تحدث عند قبره والأخبار التي انتشرت حول ظهوره لبعض الناس وقيامه بمعجزات في حياتهم, لقد قصده الحجاج من يوم دفنه ولغاية اليوم, إلا إنه ازداد توافد الحجاج بشكل كبير وملحوظ بعد أن قام الملك هنري الثامن بتدمير القبر مما اعطى له شهرة اوسع, وحول المكان يوجد العديد من القبور وشواهد القبور لبعض الملوك وزوجاتهم أمثال: الملك هنري الرابع وزوجته الملكة جوان وبعض القادة والأساقفة, اذ اعتبر الدفن في تلك الساحة المدفون فيها القديس توماس باكيت اعتبرت الأقرب من ملكوت السموات وإنها بوابة السماء في تلك المنطقة من العالم.

تعرضت الكاتدرائية لازمات عديدة منها: هجمات قبائل الفايكنغ من منطقة الدنمارك الذين هاجموا الكاتدرائية وعاثوا بها فساداً, كما أن الكاتدرائية تعرضت مرات عديدة للحرق وأعيد بناؤها وتجديدها أو أجزاء منها, ومن أبرز من أعاد بناءها كان الملك وليم الأول, الملك الفرنسي الذي حكم بلاد الانجليز تحت مسمى ملك بريطانيا, الذي يسجل له التاريخ العديد من الانجازات, فهو الذي بنى اكثر من الف قلعة وحصن وعشرة آلاف كنيسة طوال فترة حكمه, ومن أوقات الأزمات الاخرى أيضا كان تعرض الكاتدرائية للهجوم الجوي وحرق جزء كبير من مكتبتها التاريخية وأرشيفها الثمين إبان الحرب العالمية الاولى من قبل الطيران الحربي الالماني,وبعد انتهاء الحرب, حضر العديد من البناؤون, جاءوا من أماكن كثيرة في أوروبا حيث شاركوا في إعادة إعمارها من جديد.

الانتقال من السلطة البابوية إلى الهيكلية الكهنوتية الانجليكانية كان على المستوى الكنسي سلساً إلى حد بعيد, لهذا ترى في الكاتدرائية اليوم الكثير من رموز الكنيسة الكاثوليكية وتراثها, حتى أن طقس العبادة في الكاتدرائية ومنها إلى طقس العبادة الانجليكانية في العالم, تجدها قريبه جداً للطقس الكاثوليكي, وان استخدام اللغة اللاتينية في العبادة لازال موجوداً, والنظام الهرمي الكهنوتي والممارسة الدينية والطقسية لازالت على حالها بشكل كبير, رغم انه بعد مرور قرن تقريباً على الإصلاح وتحديداً بالقرن السابع عشر, بدأت تظهر بعض الجماعات المسيحية التي تبنت فكرة مناهضة الأيقونات والصور في الكنيسة, هذا التوجه توجه فوراً نحو تدمير الأيقونات والصور ووصل به الأمر إلى تدمير كل ما هو عناصر زخرفيه في الكنائس وهذا العصر كان بكل بساطة عصر تدميري على الكنيسة عموماً بالرغم من كل ما يقال عنه انه عصر إصلاحي تميز بتطهير الكنيسة مما علق بها عبر عصور الظلام في القرون الوسطى, وقد دفعت كاتدرائية كانتربري ثمناً باهظاً من جراء هذه الأفكار, التي أدت إلى تدمير العديد من معالم الكاتدرائية الفنية والزخرفة الجميلة, ومن ضمنها كان تلك النوافذ الزجاجية الجميلة التي كانت بمثابة لوحات فنيه ايقونية مميزة لا يمكن تعويضها ابداً.

لغاية سنة 1506- 1507 كانت تسكن الكاتدرائية ومرافقها مجموعة من الرهبان البندكتيين الذين كانوا يقيمون الصلاة بها سبعة مرات في اليوم, وبعد أن تسلمها الانجليكان داوموا على الصلوات, لكنهم اختصروا إلى ثلاث مرات في اليوم, وعلى مدار العام يعمل في الكاتدرائية ما يقرب من ثمانمايه متطوع و270 موظف, منهم أربعون يعملون بشكل مستمر في ترميم الكاتدرائية.

من الأمور الهامة في الكاتدرائية, المكتبة التاريخية الملحقة بها, والتي تحتوي على العديد من المخطوطات والكتب القيمة والنادرة التي تعود إلى القرون من التاسع للميلاد وحتى اليوم وبعضها كتب يدوياً قبل اختراع الطباعة ولمؤلفين مهمين جداً أمثال القديس توما الاكويني وغيره, كما أن هذه المكتبة الهامة ملحق بها مركز خاص للعناية بالمخطوطات وترميمها والمحافظة عليها ضمن أعلى درجات العناية الحديثة.

ملحق بالكاتدرائية مركز للدراسات يحتوي على مكتبة تحمل اسم القديس اغسطينوس, وفيها جناح للكتب اللاهوتية التي كانت تابعة لمكتبة كنيسة المسيح في كانتربري وكتب كلية القديس اغسطينوس الإرسالية, وما جمعته المكتبة لاحقاً من كتب لاهوتية عديده, والمكتبة مزودة بكتب في مجالات اللاهوت والدراسات الكتابية والليتورجية والإرسالية, وتاريخ الكنيسة والفلسفة والموسوعات المنوعة, وملحق بمركز الدراسات الدولية نزل كبير وفخم, مرتب لراحة الوافدين سواء للحج ام للدراسات ام المؤتمرات واللقاءات, وتظهر عليه علامات الكرم والضيافة الجميلة التي تميز بها بالأصل الرهبان البندكتيون الذين أسسوا هذه الكاتدرائية.

على سبيل المثال لا الحصر يحضر قداس عيد الميلاد ما يقرب من أربعة آلاف مصلي في كل خدمة من الخدمات الخمسة التي تقام يوم عيد الميلاد داخل الكاتدرائية, كما يؤمها الحجاج يومياً للصلاة في كل خدماتها الثلاث اليومية, فيزورها سنوياً نحو مليون حاج, علماً بأن الكاتدرائية موجودة في بلدة صغيرة لا يزيد سكانها عن خمسين ألف نسمة.

رحلة الحج إلى كاتدرائية كانتربري متعه حقيقية خاصة إذا وصلت إليها سيراً على الأقدام من الطريق التقليدية للحج التي يصل طولها إلى ما يقرب من عشرة كيلومترات, ويفد إليها الحجاج من كل العالم, فهي ملتقى للحج والروحانية والشركة المسيحية مع الآخرين, إنها بالفعل كنيسة الجميع وأبوابها مشرعه دائماً, وأن الكنيسة الانجليكانية تؤمن أن المكان له روحانية خاصة تساعد الإنسان على تنمية إيمانه للوصول إلى عمق أكبر لفهم الإيمان وإدراكه وروحانيته, كما إنها تشجع على رحلة الحج كي تكون فرصة للتعبير عن العبادة والتسبيح لله والشكر له على هباته ونعمه الكثيرة للإنسان.

للكاتدرائية في نفوس الانجليكان في العالم وقع مميز, وهي تبادلهم الشعور ذاته, ففي مركز الكنيسة وفي ساحتها الوسطى الاساسية عبارة كتبت بالرخام على أرضية الكنيسة تحمل شعار الشركة الانجليكانية العالمية موجودة باللغة اليونانية على لسان المسيح تقول: تعرفون الحق والحق يحرركم

كاثدرائية كانتربري \ كنت \ بريطانيا \ 2007

رامي - عمان
هذه اول مرة اعرف هذه المعلومات عن هذه الكتدرائية الهامة، اشكرك.

نانسي ابوحويلة - نابلس
نشكرالاب ابراهيم معلومات جديدة ومعلم اثري جميل ووصفك للمكان وكلماتك جعلو اكثر جمال

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء