إسهامات المسيحيين العرب في مجال التربية والتعليم

تأصيل

علي خليل حمد - قراءة المزيد لهذا المؤلف

محاضرة القيت في لقاء رجال الدين المسيحي الاسلامي الذي يعقد بشكل دوري في قاعة كنيسة القديس فيلبس الاسقفية - نابلس

1. مقدمة
تمر الأمة العربية في هذه المرحلة من تاريخها بلحظات حرجة، تمارس فيها الإمبريالية سياسة تفتيت المفتت عليها، أي إشعال الفتن الطائفية والنزاعات الإثنية فيما بينها وداخل القطر الواحد لكي يصبح من المتعذر قيام التواصل بين القطر والأخر؛ ومن هنا يصبح الدفاع عن القومية هدفا استراتيجيا للمفكرين والمثقفين العرب على اختلاف فئاتهم ومشاربهم، ويصبح من الأهمية بمكان أن تتبين الأمة الإسهامات الحضارية لكل واحدة من إثنياتها، كبرت أم صغرت، وأن تفتخر الأمة بهذه الإسهامات وتعلي من شأنها، وينطبق هذا بوجه خاص على دور المسيحيين العرب المشرّف في فلسطين والشام والمشرق العربي بوجه خاص.
وفي الماضي كما في الحاضر، كان دور المسيحيين العرب في بناء جسور التواصل بين الحضارة العربية الإسلامية وحضارة الآخر وبخاصة من خلال الترجمة عن اليونانية حاسم الأهمية، وفي ذلك يقول الناقد اللبناني المعروف مارون عبود (حمد،2011):
"إن نصرتنا الفصحى قديمة العهد، أي منذ كانت وكنا، وقد أغنيناها حين كان أكثرنا سريانا، ثم زدنا ثروتها أضعاف الأضعاف حين استعربنا؛ فالكتب النفيسة التي ترجمناها عن اليونانية عدنا فعريناها وتنكرنا للسريانية."

وقد شملت انعكاسات هذا التواصل جميع العلوم، والمؤلفات التعليمية والمرجعية وغيرهما فيها، ومنها كتب تهذيب الأخلاق أو التربية كما في كتاب ابن مسكويه على سبيل المثال .
بيد أن اقتصار موضوعات التدريس، بعد القرن الخامس الهجري، على العلوم الشرعية وما يتصل بها، وإهمال ما عداها من العلوم، والانحطاط الفكري العام بعد سيطرة العثمانيين على البلدان العربية، أدت إلى انحسار دور المسيحيين العرب في مجال التعليم كغيره من المجالات، ربما باستثناء الطب، وذلك حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد اختلفت طبيعة التواصل الحضاري وظروفه بين الماضي والحاضر، في أمور شتى منها اقتصار التواصل قديما على المعارف ـ بعض المعارف ـ دون تدخل من أصحابها بخلاف التواصل الحديث الذي شمل، إضافة إلى شمول المعارف، التدخل المباشر وغير المباشر من الآخر الغربي، ومنها أن سيادة الفكر القومي وحق المواطنة للجميع في الغرب أتاحت للمسيحيين العرب المشاركة في مجالات الفكر والعمل بما لايقارن مع ما كان عليه الحال في الماضي، وفي مجال التربية والتعليم حملت الحضارة الغربية في مدّها إلى الشرق طائفة من العلوم الحديثة المنفصلة عن العلوم الشرعية، وبذلك تمكن المسيحيون العرب من الإسهام بقدر أكبر كثيرا في التأليف والتدريس على حد سواء.

ملاحظة: يقتصر المقال هنا على منطقة الشام وبخاصة فلسطين

2. البدايات
من أوائل الرواد الذين أسهموا في النشاط التربوي في الوسط المسيحي العربي منذ مستهل النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي , الشاعر واللغوي اللبناني ناصيف اليازجي ,الذي ألف بدعم من الكلية الإنجيلية السورية ـ الجامعة العربية الأميركية ببيروت فيما بعد ـ عددا من الكتب المدرسية المختصرة في قواعد اللغة العربية والبلاغة والعروض؛ وكذلك فعل زميله بطرس البستاني الذي سار خطوة أخرى في ميدان التربية التعليم , فأسس مدرسة سماها " المدرسة الوطنية "غايتها أن يتلقى فيها التلاميذ على اختلاف عقائدهم , تعليما أساسه التسامح الديني والمثل الوطنية؛ وقد أسعفه الحظ بتعيينه ناصيف اليازجي مدرسا أول للغة العربية فيها ( انطونيوس , ص115), وكذلك ألف بطرس البستاني عددا من المؤلفات في الحساب والقواعد والأدب , فضلا عن معجم "محيط المحيط "(1870) ودائرة معارف البستاني.
وقد حظيت اللغة العربية , وبخاصة المعاجم، باهتمام خاص من قبل اللغويين المسيحيين العرب، وكان لهم فضل الريادة في هذا المجال؛ ومن المعاجم التي حققت نجاحا كبيرا في الوطن العربي معجم"المنجد" الذي وضعه لويس المعلوف في عام 1908 , وتطور في عام 1956 ليصبح " المنجد في اللغة والأعلام " ؛ وكذلك تم إصدار عدد كبير من المعاجم الثنائية في العربية واللغات الأخرى؛ كما كان من رواد الحركة المعجمية في فلسطين اللغوي " قسطنطين ثيودردي " صاحب المعجم الثنائي " المنجد:ـ انجليزي عربي ـ والفريد في المصطلحات الحديثة، والمعجم التجاري وغيرها.

لم تقتصر إسهامات المبدعين من المسيحيين العرب في مجال تعليم اللغة على المعاجم، بل كان إنتاجهم الأدبي الرفيع مصدرا أساسيا للنصوص ألأدبية في المقررات الدراسية لكتب المطالعة في مختلف الصفوف، وبخاصة من إنتاج الأديب الفنان جبران خليل جبران، والأديب الفيلسوف ميخائيل نعيمة، والمفكر المؤرخ أمين الريحاني، والأديبة الكبيرة مي زيادة , والشاعر أبي ماضي وغيره من شعراء المهجر بما اشتملت عليهم نصوصهم من فكر إنساني وموضوعات معاصرة . ومن الطريف الإشارة هنا إلى بعض هؤلاء وغيرهم من الأدباء والمفكرين الذين كتبوا أبحاثا قيمة في سبيل الارتقاء باللغة العربية ومنهم جبران , ونعيمة، والمؤرخ جورجي زيدان , وخليل السكاكيني، والمؤرخ والجغرافي تقولا زيادة , وغيرهم .

3. المدارس
شهد النصف الثاني من القرن 19 والنصف الأول من القرن 20 تأسيس عدد كبير من المدارس، وكان أكثرها يحظى برعاية هذه الدولة أو تلك من الدول : بريطانيا , وفرنسا, وروسيا , وألمانيا , وإيطاليا , وإسبانيا ... وقد امتازت هذه المدارس بعدة خصائص أهمها:
• تدريسها العلوم الحديثة
• إتاحة التعليم للمرأة
• وجود مدرسين عرب وأجانب في المدرسة الواحدة
• تدريس اللغات الأجنبية
• الانفتاح على الحضارة الغربية
• .تشجيع حركة الترجمة
وقد اتبعت هذه المدارس منذ نشأتها نظام التعليم الحديث المتبع حاليا في مقابل نظام الكتاتيب القديم البائس , والمعاهد العثمانية التي كانت تدرس بها المواد بالتركية في حين أصبح التدريس باللغة العربية واللغات الأوروبية .
ولا يتسع المجال للحديث عن هذه المدارس بالتفصيل , ونكتفي هنا بالإشارة إلى واحدة من أبرزها وهي مدرسة الحكمة ببيروت التي تخرج فيها الكثيرون ومنهم إسعاف النشا شيبي واسكندر ألخوري وغيرهما من المبدعين , وكان من أساتذتهما عبدا لله الغلايبي وعبد الله البستاني , وهما من هما في الحرص على اللغة العربية وإعزازها , فأنت ترى كيف أدى اجتماع المدرس المسيحي المبدع والمدرس المسلم المبدع فيها إلى ظهور المبدعين من الطلبة مسلمين ومسيحيين أيضا .
وفي فلسطين تعددت المدارس المسيحية وتنوعت حتى إن البطريركية اللاتينية في القدس كانت تفاخر بوجود 52 مؤسسة تربوية تابعة لها في فلسطين , كما كان للروس إشراف على 18 مدرسة منها السمنار الروسي في الناصرة والسمنار الروسي في بيت جالا , وكان للألمان في القدس مدرسة شنيلر وللإنجليز مدرسة الشباب الإنجليزي في القدس ولفرنسا مدرسة الفرير , وهي مدارس يحق لكل منها أن تفتخر بما تخرج من طلبة مبدعين ومبدعات .

4. خليل السكاكيني
يشكل السكاكيني ظاهرة تربوية استثنائية , وذلك لتعدد الأنشطة التي مارسها في حقل التربية والتعليم , من تأليف مناهج ـ الجديد في العربية للصفوف الابتدائية الدنيا ـ ومن تأسيس مدارس خاصة والإشراف عليها، ومن أعمال تربوية إدارية منها إدارة دار المعلمين حديثة النشأة عام 1919 والتي أصبحت الكلية العربية في القدس فيما بعد، والإشراف التربوي للغة العربية في فلسطين , ويضاف إلى ذلك الأفكار التربوية المنثورة في مؤلفاته المختلفة، ومنها مبادئ التعليم التي وضعها وطبقها، وهي التي نلخصها فيما يأتي(حمد، 2008أ):

• الأهداف العامة
الأهداف العامة للتربية والتعليم عند السكاكيني هي خدمة الإنسانية والوطن , ورقي الفرد المتعلم بعقله ونفسه وجسده جميعا :
• علمانية التعليم
بمعنى رفض الطائفية في المدارس
• التعلم قبل التعليم
يقتصر دور المدرس على كونه ميسّرا لتعلم الطالب .
• التعليم الحر
يجب أن يعيش الطالب الحرية في المدرسة إذا أريد له أن يكون حرا في المستقبل
• المباحث الدراسية
تشتمل على اللغات والرياضيات والعلوم ومختلف شؤون الحياة، مع عناية خاصة بالفن، وبأن تتخذ الرياضة الطراز العسكري، وأن تنظم الرحلات للطلبة لتعرف الوطن ومواطن الجمال فيه
• التفاعل مع المجتمع
ممارسة المدرسة دورا في تحسين البيئة وتثقيف المجتمع
• الكتب
يفضل السكاكيني تعددية المصادر في التعليم
• الانفتاح على الآخر
وذلك بالأخذ والعطاء جميعا
• القيم
يدعو إلى غرس قيم القوة والأنفة والعزة في نفوس الطلبة
• مخرجات التعليم
مخرجات التعليم عنده أشخاص منتجون في العلوم ومختلف الموضوعات والمشروعات
• التعليم للجميع
التعليم للجميع وليس للصفوة أيا كان مفهومها

5. إدوارد سعيد
عالج المفكر الفلسطيني والعالمي إدوارد سعيد عددا من القضايا التربوية، بما عهد منه في أعماله من عمق وأصالة والتزام إنساني، ومن هذه القضايا : علاقة التربية والتعليم بالهوية، ومناهج الجامعات الأمريكية، والحريات الأكاديمية في الجامعات العربية .
 . التربية والهوية
للتربية والتعليم دور حاسم الأهمية في صناعة الهوية الوطنية/ القومية؛ والشائع كما يقول إدوارد سعيد أن التربية في مختلف البلدان تغرس في نفوس المتعلمين قيم الاستعلاء القومي والشوفينية والتهوين من شأن الآخر؛ وهي اتجاهات ينبغي للتربويين مقاومتها وإحلال الانفتاح على الآخر والتفاعل الإنساني معه محلها، وذلك بإعادة بناء التربية وتطبيقها
 المناهج الجامعية
يأخذ إدوارد سعيد على الجامعات الأمريكية أنها اتخذت المؤلفات الكلاسيكية الأوروبية والأمريكية معيارا يكاد يكون وحيدا في الدراسات الإنسانية؛ وفي ذلك ما فيه من إهمال للإنتاج الفكري للقوميات الأخرى، والإثنيات المختلفة في المجتمع الأمريكي والمجتمعات الأوروبية ذاتها .
 الجامعات العربية
يرى إدوارد سعيد أن المسالة الأساسية في التعليم الجامعي هي إمكان خلق علاقة تجمع بين الالتزام بأصول التعليم أو صرامة المعرفة من جهة، والالتزام بالمواطنة في المجتمع من جهة أخرى؛ ويرى أيضا أن اعتبار قاعات الجامعة مكانا لتدريس بعض الموضوعات وفق وصفات محددة وليس مكانا لتقصي المعرفة أو الحقيقة هو بمنزلة الخيانة للحرية العلمية .

أما اهم مآخذه على الجامعات العربية فهي: البيروقراطية وتسييس الجامعة، بحيث يصبح الامتثال السياسي معيار الترقيه وليس التفوق، وعدم الانفتاح على الآخر الذي يتجلى في ضعف المعرفة باللغات، والكسل الفكري عند الخريجين.

وفيما يتعلق بالجامعات الفلسطينية يضيف إدوارد سعيد إلى وجود المشكلات السابقة فيها ما تعانيه من وطأه الاحتلال، والافتقار إلى المال، وكذلك المشاكل الإدارية، وأن على أساتذتها الكفاح من أجل لقمة العيش دون القيام بإجراء أبحاث مستقلة أو أعمال جديدة. ويرى أن الأزمة تحتم علينا صوغ مناهج تعليمية جديدة واتخاذ موقف ديمقراطي يشجع على النمو الفكري والإبداع. ويستنفر إدوارد سعيد القطاع الخاص للإسهام في الاستثمار بأقصى ما يمكن في التعليم , وإنشاء مكتبه وطنية فلسطينية , وتمويل بنية التعليم الجامعي بأكملها لضمان مستقبلنا كشعب من الشعوب الحية في العالم المعاصر.(حمد، 2008ب).

المصادر
ـ أنطونيوس، جورج,(1974). يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الين الأسد وإحسان عباس. بيروت: دار العلم للملايين.
ـ حمد، علي.(2008أ).نشرة تعليم حر:عدد 48، كانون الثاني. ص ص 12 ـ 13 . رام الله : مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان.
ـ حمد،علي.(2008ب).نشرة تعليم حر: عدد 50 ، آذار. ص ص. 13ـ 14 . رام الله: مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان.
ـ سعيد، إدوارد.(2004). تأملات حول المنفى. ترجمة ثائر ديب.بيروت: دار الآداب.
ـ حمد، علي.(2011). مجلة تسامح.عدد 33. ص 164 . رام الله: مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان.

نقولا عقل - رام اللة
يكفي تقسيمنا الى مسيحيين ومسلمين وكأن هذا هو الحد الفاصل بين الناس والأفراد وكأننا اخترنا ديننا ولم نورثه. حتى في مجال التربية والتعليم يمكن تقسيمنا الى أشخاص ساهمو وأشخاص لم يساهمو أو يمكن تقسيمنا الى متعلمين وجهلة أو اذكياء وأغبياء الى ما شئتم من خيارات.اما الدين فليس مجال لتقييم الفرد لأن في الدين لايعمل في الانسان غير لسانه وبالتالي لا دور للغقل ولا العضلات ولا الموهبة الى ما لديك من أساليب التقييم.

Jay - HjjI5FsXO
Slam dunkin like Shaquille O'Neal, if he wrote inrvmfatioe articles.

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء