جميلة صيدم في ذاكرة الشعب الجماعية

ضيوف ومبادرات

الدكتورة فيحاء عبد الهادي - قراءة المزيد لهذا المؤلف

من رحلة التهجير إلى رحلة العودة

عرفتها من خلال عملها مع الوالدة - كعضو الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومسؤولة العلاقات الداخلية فيها- وعاصرت صداقتهما، التي امتدت وتجذرت، من خلال العمل النضالي والنقابي. وكم كان جميلاً وحاراً وموجعاً لقاؤهما الأخير في عمان، قبل فترة وجيزة من رحيل المناضلة "جميلة صيدم". كان تقييماً لمسيرة النضال، بحلوها ومرِّها. كان وداعاً، وكان تجديداً للعهد والإيمان بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف.

كما تعرَّفت عليها، على المرأة المناضلة والصلبة في مسيرة الكفاح الطويلة، وعلى الجانب الانساني للأم/ أم صبري/ المربية والعاملة، وأخيراً، على الجانب النقدي من شخصيتها القوية، ذلك من خلال جلسات المؤتمر الخامس للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومن خلال دورات المجلس الإداري الثلاث، للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، التي أعقبت المؤتمر.

ورغم غياب المناضلة عن حضور الدورة الرابعة للمجلس؛ إلاّ انها كانت تظلل الدورة بروحها، وروح المناضلة هناء صيام. وما تسمية الدورة باسميهما: "دورة الشهيدتين جميلة صيدم وهناء صيام"، سوى تأكيد على تجسيد كل ما ناضلتا من أجله، وعملتا بلا كلل من أجل تحقيقه من مبادئ.
تتذكَّر الوالدة "عصام عبد الهادي"، الأيام الصعبة التي عاشتها الصديقة "جميلة صيدم"، بعد استشهاد زوجها، المقاتل والقائد: ممدوح صيدم، الذي عاشت معه ثلاث سنوات فقط: "يقترن اسمها لديَّ بالتضحية ونكران الذات، على الصعيدين، الخاص والعام: حيث الإخلاص للعائلة وللوطن في آن. عرفتها مناضلة صلبة، ذات شخصية قوية. حافظت على بوصلتها، ومواقفها المبدئية، رغم تعارض هذه المواقف أحياناً مع مواقف تنظيمها السياسي: "حركة التحرير الوطني الفلسطيني/فتح".

من عاقر إلى رفح إلى سورية إلى تونس إلى غزة ورام الله،

رحلة طويلة وشاقة، تلك الرحلة التي بدأت بتهجير الرائدة جميلة صيدم، وانتهت بعودتها المنقوصة!

بدأت رحلة تهجيرها، إلى رفح، بعد عام واحد على ولادتها في عاقر/ جنوب الرملة: عام 1948. درست في مدرسة رفح، وظهر تفوقها في المرحلة الثانوية؛ لكنها أجَّلت موضوع استكمال دراستها الجامعية، بسبب زواجها من ابن عمها المقاتل في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني/ فتح- العاصفة: ممدوح صيدم. وحين استقرَّا في سورية؛ التحقت بجامعة دمشق/ قسم التاريخ؛ لكنها وقد بدأت معارك أيلول 1970؛ لم تستطع استكمال دراستها، بينما كان زوجها، بحكم مسؤوليته عن غرفة العمليات العسكرية، يغيب كثيراً عن البيت؛ الأمر الذي استلزم أن تحمل مسؤولية الأم والأب.

وحين اشتدّ مرض السرطان على المناضل أبي صبري؛ لم يستكن؛ بل واصل عمله التنظيمي والسياسي والعسكري، متحاملاً على نفسه، حتى تدهورت صحته، فدخل مستشفى في لبنان، بعد أن رفض قرار اللجنة المركزية لـ "فتح"، بنقله للعلاج في الخارج، حرصاً منه على أموال الثورة

وفي الرابع والعشرين من شهر تموز، عام 1971، وقد أحسَّ بدنوِّ ساعة الرحيل؛ خاطب أبو صبري أعضاء القيادة الفلسطينية: "خدوا بالكم من أنفسكم، وأبقوا أيديكم على الزناد".

أما زوجة الشهيد؛ فقد حملت مسؤولية مضاعفة، منذ ذلك التاريخ. لم تكتف بمسؤولية العائلة، رغم ثقلها؛ بل تابعت مسيرة النضال، ضمن صفوف الثورة الفلسطينية.

بدأت المناضلة عملها السياسي والنقابي، بعد أسابيع معدودة من زواجها، عام 1968. شاركت في لجنة دعم كنزة الفدائي، التي تشكَّلت في دمشق بعد معركة الكرامة، ثم ساهمت في تأسيس فرع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في سورية، وانتخبت لاحقاً عضواً في الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية/ لجنة العلاقات الداخلية.

كما بدأ عملها التنظيمي، في "فتح"، في العام ذاته، حيث درَّبت وأشرفت على تدريب الفتيات على السلاح، وساهمت في تنظيمهن وتأطيرهن. وانتخبت عضوة في المجلس الثوري لـ "فتح"، في المؤتمر الخامس للحركة، عام 1989. ومن الجدير بالذكر أن المؤتمر قد انتخب خمس نساء، كعضوات في المجلس الثوري لحركة فتح، لأول مرة في تاريخ الحركة.

وحين عادت إلى غزة عام 1994؛ بدأت عملها كمدير عام التأمينات الاجتماعية في وزارة العمل؛ لكنها لم تستمر طويلاً في الوظيفة، حين قرَّرت أن ترشِّح نفسها لعضوية المجلس التشريعي، عن دائرة الوسطى، عام 1996.

كان فوز المناضلة بثقة الشعب، ونيلها مقعداً في المجلس التشريعي، محطة مميزة في تاريخ عملها السياسي. لم تعتمد على تاريخها، أو تاريخ زوجها المناضل، أو دعم فصيلها السياسي. اختارت عضوية اللجنة الاقتصادية، لمحاربة الفساد. اجتهدت، ودرست بدأب، وتابعت، وانتقدت أصحاب الاحتكارات من المفسدين؛ ما جعل البعض يتآمر عليها، ويحاربها، لإقصائها عن اللجنة. انسحبت من اللجنة، وانضمَّت إلى لجنة الرقابة وحقوق الإنسان، حيث يمكن كشف الفساد أيضاً، بالإضافة إلى انضمامها إلى لجنة اللاجئين، التي أصبحت رئيسة لها منذ عام 2003، حتى عام 2006.

ومن خلال وجودها في المجلس التشريعي، مزوَّدة بخبرتها في العمل النسوي، من خلال الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية؛ ناضلت من أجل التأسيس لتشريعات وقوانين فلسطينية تنصف المرأة الفلسطينية. لعبت دوراً مميزاً، كما يشهد زملاؤها، في إقرار قانون العمل، الذي أعطى حقوقاً متساوية للمرأة في النص القانوني. وعند صياغة قانوني الخدمة المدنية، ومراكز التأهيل والإصلاح؛ ساهمت، مع بعض زملائها في المجلس، في إدخال بعض المواد التي تضمن تمييزاً إيجابياً للنساء، خاصة المرأة الحامل. كما ساهمت في إقرار قانون انتخابات المجالس البلدية، الذي عزَّز مشاركة المرأة.

جميلة صيدم، كلماتك الأخيرة، وقبل أيام معدودة من رحيلك، في الثلاثين من شهر تموز، عام 2011؛ تجسِّد حلم شعبك الفلسطيني في الاستقلال، وفي العودة، وإصراره على النضال لتحقيق هذا الهدف:

"أتوجَّه لكم بالتحية لثباتكم على العهد بالوفاء لمسيرة الشهداء، ولثباتكم وصمودكم بمواصلة الصمود والتضحية، حتى يتحقق الحلم بتجسيد دولتنا الفلسطينية، وعاصمتها القدس".

أيتها المناضلة الجماهيرية الصلبة، التي لم تتراخ قبضتها عن جمرة حلم العودة، حافظتِ على مواقفك الثابتة تجاه القضايا الوطنية. لم تكلّي يوماً عن النضال في سبيل ما تؤمنين به من مبادئ؛ فاستحقيت مكانتك المتميِّزة، في ذاكرة الشعب الفلسطيني الجماعية.

-
الله يرحم المناضلة والمراة المعطاة الشهيدة جميلة صيدم ام صبرى

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
يودعنا الاب ابراهيم نيروز وعائلته الى الاردن ...الزرقاء ...في 30/6/2017... تحملهم رعاية الله