القدس عاصمة للايمان بالله الواحد "رؤية حل"

رؤية

الأب إبراهيم نيروز - قراءة المزيد لهذا المؤلف

رغم السرية العالية التي تحيط بالمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، الا ان بعض المعلومات ترشح بين الحين والآخر من هنا او هناك، وما تناولته وسائل الاعلام مؤخرا عن مدينة السلام –القدس- التي تمثل العقدة الاساسية في المفاوضات، وما نلحظه بإستمرا، ان الاحتلال يسير ضمن خطة ممنهجة ومنظمة لفرض امر واقع على طابع المدينة المقدسة، من اجل ان يضع حالة من الحل يفرضها فرضا على المشهد العام، من خلال بسط الطابع اليهودي على المدينة، وإسكات حجارتها لتنطق بالحقيقة، ويحضرني قول للسيد المسيح، وهو يهم للدخول الى المدينة: إن سكت هؤلاء فان الحجارة ستصرخ، من هنا تأتي الثقة لدينا، أن محاولات الاحتلال لفرض الحالة اليهودية على المدينة لابد في النهاية ان تبوء بالفشل، لانها متعاكسة مع السياق والمنطق والعقيدة والفكر والثقافة والحضارة، ومهما إستخدموا من قوة فلن يتمكنوا من الاستمرار الى الابد، فما ان تزال قوتهم، فإنه حتماً ستعود الامور الى سياقها الطبيعي.

إن محاولة منها لطمس الهوية الحضارية والدينية والثقافية التي تراكمت بغنى في المدينة المقدسة، وتحت مسميات عديدة، ووفق إعتبارات إستعمارية إحتلالية، وضمن سياسة إقصاء الآخر وتجاهل وجوده، يصدر عن الكيان الاحتلالي قرارات عديدة بإعتبار ألقدس عاصمة للشعب أليهودي ومقصد زحفه، متجاهلاً كل ما هو غير يهودي، واصفاً إياه بكل الوصوفات غير الآدمية.

إنها سياسة قتل حقيقية وتوجه ممنهج، وإغتيال متعمد للوجود غير اليهودي في المدينة، فسياسة الإبعاد والتهجير والتدمير وهدم البيوت وإغلاق ألمدارس، لحجج واهية، والعمل على جعل حياة الناس أكثر صعوبة، لحثهم على الرحيل، يأخذنا إلى ما جاء على لسان السيد المسيح في إنجيله المقدس، كما ورد في بشارة (لوقا19: 41- 44):
وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ (نازلا من جبل الزيتون وامامه المدينة المقدسة) نَظَرَ (السيد المسيح) إِلَى الْمَدِينَةِ (مدينة القدس) وَبَكَى عَلَيْهَا، قَائِلاً:«إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ».

هذا ما يحدث أليوم حول المدينة وداخلها، إذ يحيط بها ألاعداء من كل جانب، ويسعون لهدمها على رؤوس أبنائها كي لا يبقى بها حجر على حجر، في سياسة تغيير معالم المدينة وتزوير تاريخها وطابعها وتهجير أهلها اللذين يسكنونها منذ آلاف السنين، منذ ما قبل ألاديان، وطمس هويتها الغنية بالتراكم الحضاري والثقافي المنوع، التي يحكي تاريخ شعوب وقبائل واديان وجيوش مارة او فاتحة للمدينة وتركت آثارها عليها.

هذا ما نلحظة من جراء سياسة تهويد المدينة المقدسة، وسحق وتقزيم كل طبقات التراكم الحضاري والثقافي والديني غير اليهودي، وتضخيم وعملقة الوجود اليهودي بشكل مبالغ فيه، من خلال سياسات التهويد والإستفراد بالمدينة وشطب كل حضور غير يهودي بها، وهذا واضح من خلال الحفريات المشعبه داخل أرضها وتحت مقدساتها ومحاولة إقتحام مساجدها وكنائسها، ونبش قبورها بين الحين والآخر وكأنهم يجسون نبض العالم، محاولة منهم للوصول إلى يوم يحققون به مأربهم بالتخلص ممن لا يمت بصله إلى اليهودية، وإن الإقتحامات المتكررة والكثيرة هذه الأيام لإقتحام المسجد الأقصى وقبة الصخره هي أكبر دليل على سياستهم وما يسعون إلى تحقيقه.

فإن أرادت أليهودية ان تعيش بسلام في هذه المنطقة، عليها ان تنسجم معها، لا أن تعاديها، وهذا يعود بنا الى حقبة ما قبل ألاطماع ألصهيونية في ألمنطقة، يوم كان اليهودي مواطن كأي مواطناً، يعيش بإنسجام مع محيطة ألمكاني وألحضاري وألثقافي، يوم كان أليهودي كغيره من سكان ألمدن ألعربية، سواء في فلسطين او في الدول العربية الاخرى، مواطنون كباقي ألمواطنين، يتمتع بتناغم الحياة الفسيفسائية مع الجيرة الحسنة، ويتقاسم لقمة ألعيش مع جيرانه وزملائه وأصدقائة من أصحاب ألديانات ألاخرى، يوم لم يكن يوصف أحد بالاغلبية أو بالاقلية، بل ان الانسجام وألتوافق كان سيد ألمشهد بين الناس، عندما كان ألفرد بعفوية ألطيبة ألحقيقية يبني جسور ألتواصل وألود والالفة مع جيرانه وأصدقائه وزملائه، دون ألنظر إلى ألاختلافات، بقدر النظر إلى ما يجمع ، حين كان كل يعمل في صناعته أو تجارته أو زراعته بكل توافق ومودة.

ليس أمام هذا ألكيان اليوم إلا أن يعترف بوضوح، بحق الآخرين بألحياة وألوجود، ليس فقط من اجل الآخرين، بل من أجل ذاته وأبنائه وأجياله ألقادمة أيضاً، من خفايا ألمستقبل وثنايا الزمن ألمقبل، وإن كانت ألرغبة الاسرائيلية تسعى لتثبيت وجود لها في المنطقة بشكل منفرد وعلى حساب الآخرين، فان سياستها هذه لا تخدم هدفها أصلاً، بل بهذه ألطريقة تبني عداوة كبيرة مع ألمحيط، وجدراناً عالية صلبة تفصلها عنه، وبالتالي تجعل هذا المحيط أمام خيار الإستعداد لإنتظار الفرصة المناسبة كي يعيد إعتباره، ويعود بالامور إلى سياقها الصحيح، وحينها ستدفع ألمنطقة كلها ثمناً باهظاً من حياتها وحياة ابنائها وأحفادها وإنجازاتهم الحضارية ووجودهم وثقافتهم ودمائهم، وقتذاك سيندم الجميع في وقت لا ينفع فيه الندم، وسنجد انفسنا وقتها في دائرة العنف والعنف المضاد مرة اخرى، وسنخوض في حالة من تدني القيم والسلام الضائع، وفقدان الفرص بحلول متاحة، سندرك حينها أننا فقدنا إمكانيات الحياة الكريمة المشتركة، ومبادئ قبول الآخر على أرضية العيش المشترك وإحترام الإختلافات، وإنسجام وتوافق المجتمع في سلام مجتمعي عام.

وقتها لن يجدي بشيئ رفع اصبع الاتهام نحو احد، والصاق التهم بالآخرين، والبحث عن كبش فداء نصب جام غضبنا عليه، ونحمله المسؤولية الكاملة، حتى نريح أنفسنا أمام ضمائرنا وأمام التاريخ، لأن الجميع سيدفع الثمن باهظاً بسبب غطرسة القوة، وعدم ألقدرة على وضع رؤية شاملة لاستشراف الحل.

إن التباهي بالقوة من الاحتلال والتلميح بإستخدامها، وتفرده في اتخاذ قرارات احادية الجانب، وعلى الجميع –كما يعتقد الاحتلال– القبول بالأمر الواقع، والتسليم بهذه السياسة الاحتلالية التي تقود المنطقة نحو حافة الهاوية والتأزيم، مما تؤسس لمستقبل مظلم ضبابي، لا يعرف عواقبة إلا الله.

فمتى ستعلم أيها الاحتلال، أن الامور في النهاية لابد لها ان تستقيم، ولابد ان يكون هناك نهار بعد طول الليل، ولابد ان يأتي يوم يأخذ كل ذي حق حقه.

فهكذا خلق الله الكون، وهكذا وضع له ضوابطه ونظامه، هكذا كان منذ البداية عندما خلق الله السموات والارض، ووضع سياقاً عاماً لكل امورها.

إن نظرة شمولية لطبيعة الكون، تجعلنا ندرك، ان النظام الكوني بحد ذاته يسود في النهاية، وهو الذي لابد ان يفرض كلمته الاخيرة، فهذا قول التوراة عن الانسان الذي لا يرى هذه الحقيقة ويتمسك بجهله ورفضه لهيمنة الله على الكون، فيقول عنه: قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا رَجَاسَةً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا. اَللهُ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟

إن الله الذي يرى شمولية الامور يدرك جيدا، انه في النهاية لا يمكن لظلم ان يدوم، ولا لحرب ان تستمر، ولا لسارق ان يسود، فلا يعلم المعتدي ان في النهاية فقدان للمادة؟ ولا يعلم القاتل اننا تحت الارض سواسية؟

فعلى حكومة الاحتلال، كونها المسيطر والمحتل للارض المقدسة، ان يعترف بحق الآخرين الدينية والثقافية والوطنية والسياسية على المدينة المقدسة، لانه إن إستمرت هذه السياسة الاقصائية للآخرين، فاننا سندخل الى حلقات اخرى من الحروب والعنف وفقدان الامل والرجاء بالمستقبل، وسنفقد الامن والامان، لذا على الاحتلال التخلي ولو متأخراً عن سياسة فرض الامر الواقع، وعلى إعتبار نفسه فوق القانون، وصبغ قراراته بإرادة إلهية، وكأن الامر هو تكليف سماوي رباني يعطي الحق لليهود بالسيطرة على المنطقة دون غيرهم، ويتعامل مع كل من هو غير يهودي بازدراء ودونية.

إنها دعوة لعودة الحق والمنطق، والتسليم بحق الآخر ووجوده وحضوره وفكره ومعتقده، إنها دعوة للعودة بالمنطقة إلى ما قبل حقبة الاطماع الصهيونية، إلى مرحلة الانسجام المجتمعي والتناغم الثقافي والديني، إلى المواطنة الصالحة المبنية على خدمة الوطن الذي هو للجميع.

دعونا نسهم في تحرير اليهودية من الصهيونية ونمد يد العون إلى اليهود غير الصهاينة، فاليهودية أسيرة الصهيونية، وهي غير قادره على التخلص من أسرها، وهذا ما تدعوا اليه حركة ناتوري كارتا (حراس المدينة) تلك الحركة اليهودية غير الصهيونية، لان العودة الى ما قبل الصهيونية يمثل حالة فريدة من التحرر الذهني والفكري والمنطقي، لأن بقاء اليهودية على هذا النحو يشكل خطورة كبيرة على اليهودية من ناحية وعلى التركيبة الحضارية والفكرية والثقافية للأرض المقدسة، كما أن إضاعة الفرصة هذه ستكون جريمة بحق الأجيال القادمة.

وللرد على إعلان اسرائيل القدس عاصمة للشعب أليهودي والعمل المستمر من قبلها على شطب الهوية التعددية للمدينة وتدمير التراكم الثقافي والحضاري والديني لها، وصبغها بصبغة يهودية فقط، ضاربة بعرض الحائط كل هذا الغنى من التنوع الجميل، دعونا بمنطق المقاومة السلمية للاحتلال والإستعمار والإستغلال والهيمنة والتنكيل والقمع، نعلنها نجمة الشرق، وعروس العروبة، وعاصمة الايمان بالله الواحد، الذي قدسها للجميع وباركها واغدق الخير عليها، دعونا نعلنها مدينة السلام كما كانت وقت اليبوسيين بناتها الاؤائل، ونعمل على مساعدة اليهودية لتتحرر من الصهيونية التي تأسرها.

Ibrahim Khoury - Ramallah
العزير الأب إبراهيم: مقال ممتاز، أتمنى لك التوفيق ونشر الوعي والتعليم، إلى الأمام.

Nada Zabaneh - Jordan
Thank you for the impressive article

وفاء عنبتاوي - نابلس
يبدو أن الإيمان هو السلاح الوحيد الذي يستطيع أن يعيننا

Hiam Abu-Dayyeh - Beit-Jala
you are an engeL . thank you for everything

عبير خورية - الطيبة
شكرا ابونا ان شاءاللة هذه الرؤية تصبح حقيقة

Mikel - USA
Learning a ton from these neat articles.

نانسي أبوحويله - نابلس
حضرة الأب إبراهيم إحنا كما قلت مش ضد اليهوديه ولانحاربها جميع الأديان تؤمن بالتسامح نحن نرفض الصهيونيه أتمنى أن تلفظ الأرض هذه المخلوقات الغريبه

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء