عام الحزن الفكري

مشاركات

الدكتور وليد الشوملي - قراءة المزيد لهذا المؤلف

هذا العام 2010 فقد العالم العربي جهابذة فكر، وادب، وتاريخ، وشعر رحلوا، وكان أول الراحلين المفكر المغربي المعاصر الدكتور محمد عابد الجابري والذي عمل إلى ما قبل رحيله بفترة وجيزة كأستاذ للفلسفة والفكر العربي الاسلامي في كلية الاداب بجامعة محمد الخامس في الرباط. لفظ انفاسه الأخيرة في الخامس من شهر ايار الماضي بعد ان ترك للمكتبة العربية ارثا فكريا وثقافيا ضخما، فقد قاربت مؤلفاته العشرين عدا عن عشرات المقالات والمحاضرات التى تثري الفكر وتغذي العقل. ومن بين مؤلفاته مثلا " نحن والتراث" " تكوين العقل العربي " " اشكاليات الفكر العربي المعاصر " "التراث والحداثة " والمثقفون في الحضارة العربية " و " مدخل إلى فلسفة العلوم " وغيرها. اما في كتابه الأخير مدخل إلى فلسفة العلوم فقد ربط الابستيمولوجيا ( أي نظرية المعرفة ) بالدراسات المعرفية الأخرى ربطا رائعا قلما يقوم به فيلسوف أو عالم. وقد أكد الدكتور محمد عابد الجابري في مقدمة الكتاب على ان الفلسفة الحديثة هي بشكل عام فلسفة في المعرفة اذا ما قمنا بمقارنتها مع الفلسفة القديمة, أي فلسفة اليونان,و فلسفة القرون الوسطى التى كانت في معظمها فلسفة في الوجود وكذلك تحدث عن تطور الفكر الرياضي وعلاقته بالعقلانية المعاصرة ثم انتقل إلى المنهاج التجريبي واثره في تطور الفكر العلمي. ويتساءل الجابري في كتابه "اشكاليات الفكر العربي المعاصر" عن اسباب أزمة الابداع في الخطاب العربي المعاصر. عما اذا كانت تلك الازمة بمثابة ازمة عقل أم ازمة ثقافة, فيخلص إلى القول انها ازمة بنيوية أي ازمة عقل وثقافة في نفس الوقت. فأزمة الابداع في الفكر العربي المعاصر هي اولا أزمة عقل يرتكز على مفاهيم ومقولات واليات ذهنية تنتمي إلى ثلاث نظم معرفية تجمدت في رأيه نتيجة اكتساح الطرق الصوفية ورؤاها الخرافية للساحة الاجتماعية الثقافية اكتساحاً شاملاً.
وهذه النظم المعرفية الثلاث للعلوم الاسلامية حسب تصنيف الجابري هي علوم البيان وتشمل الفقه واصوله وعلم الكلام وعلوم اللغة, وعلوم العرفان (الغنوصية) وتشمل التشيع والتصوف والفلسفة الاشراقية, واخيراً علوم البرهان وتشمل الفلسفة وخصوصا فلسفة ارسطو. ثم يقول الجابري ان أزمة الابداع في الفكر العربي المعاصر هي ازمة ثقافية ايضا وهذه الازمة تسبق ازمة العقل وتليه في نفس الوقت, حيث ان ازمة الثقافة تلك ارتبطت منذ بداية تشكلها بالسياسة, فكانت السياسة فيها لا العلم, هي العنصر المحرك مما جعلها تخضع باستمرار لتقلبات السياسة وتتأثر بنجاحها واخفاقها وتنحط بانحطاطها. اذن فإن العقل العربي فقد بحق أكبر نقاده برحيل الجابري.
أما المفكر الثاني الذي رحل عنا من هذا العالم المفكر والباحث المصري نصر حامد ابو زيد وكان ذلك في الخامس من تموز الماضي. وقد اولى ابو زيد اهتماما خاصا للهرمنيوطيقا (أي علم التأويل), وهذا المصلح قديم بدأ استعماله في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب ان يتبعها المفسر لفهم النص الديني خصوصا الكتاب المقدس. وقد اتسع مفهوم هذا المصلح في تطبيقاته الحديثة, وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى إلى دوائر اكثر اتساعا لتشمل كافة العلوم الانسانية. والقضية الاساسية التي تتناولها الهرمنيوطيقا هي في تفسير النصين الديني والتاريخي. فقد طالب ابو زيد بالتحرر من سلطة النصوص واعادة تفسيرها, الا أن كتاباته قوبلت بضجة اعلامية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي, واتهم بالارتداد، وعليه كان في مصر من طالب بالتفريق بينه وبين زوجته استاذة الادب الفرنسي الدكتورة ابتهال يونس حيث غادر مصر وانتهى به المطاف إلى هولندا.
ثم فجعنا في الثاني عشر من شهر آب الماضي برحيل الاديب والروائي الجزائري الطاهر وطار في العاصمة الجزائرية، اذ كان يعد رائد الرواية العربية في الجزائر ، حيث كان جميع زملاؤه من الادباء والكتّاب يكتبون بالفرنسية عندما آثر هو الكتابة بلغته الأم. وقد حظي بشهرة واسعة، ليس على الصعيدين الجزائري والعربي فحسب، بل على الصعيد العالمي، اذ ترجمت اعماله الى العديد من اللغات العالمية. وعند رحيله قال الكاتب والمفكر الجزائري امين الزاوي في حديث للقسم العربي في اذاعة هولندا العالمية: "اعتقد أن رحيل الطاهر وطار يخلف فراغا كبيرا ليس في الكتابة وانما في الحياة الثقافية، فلم يكن كاتبا يكتب من برجه العاجي، وانما كان منشطا للوسط الثقافي وعلى مستوى الحوارات الثقافية." ولم يقتصر نشاط الطاهر وطار على الادب، بل شارك بفعالية في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في بلده الجزائر. ورفع شعار " لا اكراه في الرأي." وقد أسس الطاهر وطار " الجمعية الجاحظية" في نهاية الثمانينات وارادها ان تكون منبرا للحوار بين جميع اطياف الثقافة الجزائرية. وقد أسس تلك الجمعية مع مجموعة من الكتّاب والادباء الجزائريين مثل الطاهر جاووت وبختي بن عودة والاستاذ الجامعي يوسف سبتي، ومن أشهر اعماله " اللاز" و" الشهداء يعودون هذا الاسبوع" و " الزلزال" الذي كتبها ناقدا لمشروع الثورة الزراعية في السبعينيات حيث اختلف مع النظام والرئيس الجزائري آنذاك هواري بومدين، وكتب أيضا " الزنجية والضابط" حين اختلف مع الحزب الذي انتمى اليه وهو حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم. وقد عبر عن حزنه العميق لرحيل الرئيس بومدين في العام 1979 حيث كان يشكل خصما رئيسيا له. فحين سئل عن سبب حزنه العميق رغم خصومته المعروفة للرئيس الراحل قال الطاهر وطار:" بفقدان بومدين فقدت من كان يحرضني على الكتابة، فقدت خصما كان محركا للغريزة الجمالية للكتابة."
ولم تمض ثلاثة أيام على رحيل الطاهر وطار حتى بلغنا نبأ وفاة الشاعر والاديب والدبلوماسي السعودي غازي القصيبي، حيث كان شاعرا وله أيضا انتاجات في الرواية والقصة. وعلى مستوى كتابة الرواية يجمع المهتمين بأن روايتيه " شقة الحرية" و " العصفورية" هما أفضل ما كتب القصيبي. وكذلك له العديد من الدواوين الشعرية مثل أشعار من جزائر اللؤلؤ" و"صوت من الخليج" و " للشهداء" وغيرها. وقد ذكره معلمه الاديب الراحل عبد الله بن محمد الطائي ضمن الشعراء المجددين في كتابة ( دراسات عن الخليج العربي) قائلا: " أخط اسم غازي القصيبي، وأشعرأن قلبي يقول ها انت امام مدخل مدينة المجددين، واطلقت عليه عندما اصدر ديوانه " أشعار من جزائر اللؤلؤ" الدم الجديد، وكان فعلا دما جديدا سمعناه يهتف بالشعر في الستينيات، ولم يقف، بل سار مصعدا يجدد في اسلوب شعره، والفاظه ومواضيعه.
ودارت نزاعات فكرية ثقافية بين القصيبي ومجموعة من الصحويين في اواسط التسعينات، اذ تحولت تلك الاختلافات الى خلافات، حيث اصدروا بحقه مجموعة من المنشورات وأشرطة كاسيت تطعن فيه، فأصدر حينها كتابا بعنوان " حتى لا تكون فتنة" وهو بمثابة رسالة ووجها لخصومة حيث انتهت تلك الخصومة بسلام. وأخيرا كان القصيبي يستشهد بقول الاديب السوري محمد ماغوط " ما من موهبة تمر بدون عقاب" وقد أضاف القصيبي على ذلك القول بقوله " ما من موقف يمر بلا ثمن."
ثم جاءنا في الرابع عشر من أيلول الماضي نبأ وفاة المفكر والاكاديمي الجزائري محمد أركون. عمل أركون استاذا لتاريخ الفكر الاسلامي والفلسفة في جامعة السوريون في باريس منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، كما عمل كباحث في عدة جامعات في المانيا وبريطانيا. واشتهر اركون باستخدام مناهج علمية عديدة من بينها الانثروبولوجيا التاريخية، واللسانيات، وادوات قراءة التاريخ في دراسة النصوص الدينية، حيث يعتبر من ابرز الباحثين في الدراسات الاسلامية المعاصرة والناقدين للنظريات المتأصلة في هذا الميدان.
وقاد كتب اركون عن نشاطه في ما يسمى " مجموعة باريس" قائلا " حاولت ان ازحزح مسألة الوحي من أرضية الايمان العقائدي " الارثوذكسي" والخطاب الطائفي التبجيلي الذي يستبعد " الآخرين" من نعمة النجاة في الدار الآخرة لكي يحتكرها لجماعته فقط. حاولت ان ازحزح مسألة الوحي هذه فما تلك الارضية التقليدية المعروفة الى ارضية التحليل الالسني والسيميائي الدلالي المرتبط هو ايضا بممارسة جديدة لعلم التاريخ ودراسة التاريخ." وخلف اركون وراءه مكتبة واسعة من المؤلفات من بينها " نزعة الانسنة في الفكر العربي" و " الفكر الاصولي واستحالة التأصيل" و " نحو تاريخ آخر للفكر الاسلامي" و " الاسلام-اوروربا- الغرب" و " أين هو الفكر الاسلامي المعاصر؟" و " الفكر الاسلامي: نقد واجتهاد" و " معارك من اجل الانسنة في السياقات الاسلامية" وغيرها من المؤلفات. وخلاصة القول فان أهمية أركون تكمن في قراءته غير التقليدية والمختلفة للفكر الاسلامي وتاريخه، قراءة تختلف عن القراءة الفيلولوجية للاستشراق الكلاسيكية الخاصة " بالمستشرقين" وتقوم بتطبيق علوم الانسان والمجتمع على دراسة الاسلام بدلا من الاكتفاء بالدراسة الوصفية. واذا كان الجابري من دعاة عقلنة الفكر العربي، كان اركون من دعاة علمنة ذلك الفكر.
ثم بلغنا نبأ وفاة المؤرخ والمفكر العراقي الدكتور عبد العزيز الدوري، اذ توفاه الله في التاسع عشر من شهر تشرين الماضي عن عمر يناهز الواحد و التسعين عاما امضى اكثر من نصفها في الاردن بعد هجرته من العراق في اواخر الستينيات لظروف سياسية. وقد نالت جهوده الكبيرة التي قدمها في مجال التاريخ والمؤلفات المهمة التي اثرى بها المكتبة العربية وكذلك منهجه العلمي نالت اعجاب الكثيرين. ويرى الباحثون ان منهج الدوري في كتابة التاريخ يعتمد على الرجوع الى الاصل ومعالجتها معالجة منطقية، ثم استخلاص الحقائق التاريخية منها لذلك اتسمت كتاباته بالدقة والعمق. والدوري يعرف التاريخ على أنه " موضوع حيّ يقوم بدور بليغ في الثقافة، وفي التكوين الاجتماعي والخلقي، وأيضا له أثره في فهم الأوضاع القائمة وفي تقدير بعض التوجهات المستقبلية، وهو يتأثر بالتيارات الفكرية وبالتطورات العامة" وقد انتقد الدوري الكثير من الروايات التاريخية الى جانب الكتابات الحديثة عن تاريخ الاسلام في صدد الدعوة، وانتقد الاخطاء التي ارتكبت بحق العرب وجردتهم من كل الطاقات الفكرية والثقافية واعتبرت العرب مقلدين غير مبدعين. وكان الدوري على عكس الكثيرين الذين كانوا يعتقدون ان الحضارة العربية الاسلامية كانت فقط جسرا بين اثينا واوروبا، بل اعتقد ان الثقافة اليونانية كانت طارئة ولم يكن لها تأثير مباشر في الفلسفة و العلوم والطب الا في العصر العباسي، أي عندما برزت حاجة العرب لتلك الثقافة. وكان الدوري يرى أيضا ان تأثيرات الثقافات الأخرى التي سبقت الحضارة العربية الاسلامية لم تتم الا عندما احتاج العرب اليها. ومؤلفات الدوري كثيرة منها " العصر العباسي الأول" و دراسات في العصور الاسلامية المتأخرة" و " مقدمة في تاريخ صدر الاسلام" و " تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري" وغيرها الكثير من المؤلفات. كما اسهم الدوري في كتابة التاريخ الموسوعي العالمي وكتب في دائرة المعارف الاسلامية. ويؤخذ على الدوري انه يقوم بتأويل التاريخ من منطلق نزعته القومية وأنه يركز كثيرا على الجانب المؤامراتي للشعوبية ضد العرب. الا انه وبالرغم من ذلك استحق بجدارة لقب " شيخ المؤرخين العرب".
عام 2010 أبى إلا أن يفجعنا برحيل هؤلاء المفكرين والأدباء والمؤرخين العظام، بل آثر ان يضيف اليهم علامة ومؤرخا آخر، وهو رجل الدين الكلداني العراقي الأب بطرس حداد، والذي فارقنا في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني الماضي اثر امراض كثيرة ألمت به. وكانت قد تدهورت صحته اثر حزنه العميق على ما حدث في كنيسة النجاة في بغداد لمجموعة من المصلين هناك. وقد دفن جثمانه في كنيسة مريم العذراء في منطقة الكرادة وسط العاصمة العراقية بغداد. وعرف عن الأب بطرس أنه كان ابرز دعاة نشر التسامح بين الاديان ونبذ التفرقة والطائفية. وقد وصفه الباحث عبد الحميد الرشودي حيث قال: " كان الاب حداد يجمع بين صفتين مهمتين تعبرعن كل مفاصل حياته وهو انه رجل من رجال الكهنوت، كما أنه عالم ومترجم و مؤرخ" وأضاف: " نعتز بهذه الشخصية كثيرا كونه رجلا يمثل الوطنية العراقية الخالصة، ولا يفرق بين الناس، وله أصدقاء من جميع الطبقات، اضافة الى انه رجل سلام ووئام." من جانبه قال الباحث و الصحفي سعد سلوم ل( آكانيوز) " اتفقنا قبل يومين نحن اصدقاء الراحل على اقامة حفل تأبيني للأب بطرس حداد نقدم فيه شهادات عن حياته وأعماله وسيرته" مبينا أن " هذا الحفل يأتي في الوقت نفسه دعوة الى حماية مسيحيي العراق. وتابع قائلا:" كانت هذه الدعوة هي توصية الراحل لنا نحن اصدقاؤه في الدفاع عن حقوق المسيحيين واقامة الاعتصامات من أجل حمايتهم." وأكد السلوم ان " حداد هو اول مؤرخ عربي يقوم في ترجمةالنصوص الكلدانية الى الايطالية " مشيرا الى انه كان يكتب كثيرا عن التسامح في الدين الاسلامي والترابط بين الاديان. واتقن الاب حداد الانجليزية والفرنسية والايطالية واللاتينية وغيرها من اللغات، ومنها ترجم مؤلفات عدة تحكي صفحات من تاريخ العراق. ونشر الأب حداد الكثير من المقالات على صفحات اكثر من خمس عشرة مجلة عالمية وبلغات عدة. وله ما يقارب من الأربعين مؤلفا، فضلا عن توجهه الأخير الذي انصب على متابعة نتاجات الرحالة الاجانب وما كتبوه عن بغداد والعراق، وترجم ذلك الى العربية في سلسلة من الرحلات الكثيرة لاجانب الى العراق، منها ترجمته من الفرنسية مقتطفات من رحلة تيفنو الى العراق، وعن الايطالية ترجم رحلة الأب فنشنسو الى العراق، وعن الايطالية أيضا ترجم رحلة فيدريجي الى العراق، كما ترجم تقرير المطران باييه عن العراق وغيرها.
رحم الله مفكرينا وأدبائنا و مؤرخينا العرب، هؤلاء الذين رحلوا عنا هذا العام تاركين وراءهم فراغا فكريا وثقافيا يصعب ملئه. آملين ان لا يفجعنا العام القادم برحيل المزيد من رموز الفكر والأدب ، ويكفي الصدمات والخسائر المتوالية التي أصابتنا هذا العام بفقدان أولئك الرموز العظام.

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
يودعنا الاب ابراهيم نيروز وعائلته الى الاردن ...الزرقاء ...في 30/6/2017... تحملهم رعاية الله