تونس الخضراء

رؤية

زياد عزت - قراءة المزيد لهذا المؤلف

وضع غالبية الشعب التونسي أياديهم على قلوبهم تحسبا لتدخل الجيش لصالح الحكم وقمع الانتفاضة الشعبية، ليس خوفا فقط على مكتسبات وشيكة التحقيق، وإنما رفضا أصيلا ، وكرها متعمقا لاستخدام العنف . فهذه صفة الأفراد والجماعات التي تعاني من القهر والظلم، وهذا هو طريقها المغاير لما ترفضه.
إن الشعب التونسي وخلال الشهر الماضي، أعطى للعالم دروسا عملية من الألف إلى الياء في النضال اللاعنفي المجدي. صبر طويلا على الظلم ليس استسلاما وإنما ليحول هذا الظلم إلى طاقة إيجابية، جعلت العدو قبل الصديق ينحني لهذا النضال الإنساني الخالي تماما من العنف والانتقام من الظالمين. وكأنّ هذا الشعب العظيم قد حقن نفسه بأمصال المحبة طوال فترة ظلمه من إخوان له، ساعدته على معانقة أفراد الجيش في الشوارع ، وتربع على عقول قياداته التي لم تستطع إزاء هذه الحقيقة الإنسانية إلا أن تفرمل أي رغبة دفينة لاستعمال ما تملك من وسائل عنفية.
إنّ الشجاعة والحكمة قد ظهرت جلية عند كل فرد شارك في هذا الاحتجاج الجماعي على مدى شهر كامل. سبق ذلك شجاعة منقطعة النظيرلذلك الشاب التونسي الذي ضحّى بجسده من أجل أن يوزع روحه على تلك الجماهير لتحميهم من عنف غضبهم، وعنف الظالمين.
ليس غريبا أن ينهزم العنف أمام اللاعنف، فقد حاولت السلطة الالتفاف على هذه الانتفاضة، في كل بيان وفي كل ساعة، فالمراوغة والكذب أولاد للعنف، وهما في نفس الوقت إسفين في نعشه. خطاب إثر خطاب يَعد الناس بعدم استخدام الرصاص والقتل، والعنف يأبى أن يستجيب، فالغرور علّته، واللاعنف أداة وَأده وانتحارة.
وليس عجيبا أيضا أن يكتشف الناس أنّ ما يتهيأ لهم بأنه عجز للفرد أمام الطغيان العنفي، يتحول إلى قوة هائلة للجموع، إذا تذكّرت أنّ طريق اللاعنف تراكميا ، يجمع ولا يفرق، يضيىء الطريق لكل فرد ليرى هذه القوة الكامنة والحقيقية التي يمتلكها الناس، فقطرات الماء تبدو ضعيفة، ولكنها تصنع العجائب حين تلتحق بركب الأنهار والشلالات الهادرة.
حقا إنّ هذه الانتفاضة الشعبية قد سلكت طريق النضال اللاعنفي بامتياز، وكأن هذا الشعب العظيم قد درس وتمرّس على هذه الثقافة، بِدْءا من الصبر على الظلم بتؤدة منقطعة النظير، إلى استخدام الوسائل اللاعنفية في المظاهرات والمسيرات الجماعية، والاحتجاج جلوسا في الشوارع، ورفع الشعارات المنطقية تدريجيا. لم يحركه الغضب من أجل الانتقام، لم يرتكب إثما عنفيا مع جلاديه ولم يهن أخوة له أهانوه. يريد للظلم أن يرحل، وللفساد أن يختفي دون رجعة، يريد للعدالة أن تكون الحَكم والحُكم. يريد أن يوزّع الحرية خبزا يقتاد به الجميع، يريد أن يؤسس نظاما يُحترم فيه الصغير مثل الكبير.

دروسا ولا أروع شاهدها العالم في شوارع تونس الخضراء، ستفتح الباب على مصراعيه في العقول، أسئلة ما عادت تخجل من الظهور علنا، الظلم والعنف توأمان، كل ترسانات الأسلحة التي تحمي الظلم ستقف مكتوفة الأيدي أمام النضال الحقيقي للشعوب. آن الأوان أن تدرك الشعوب أنّ للقوة على هذه الأرض مصدرين: العنف متمثلا بالقتل والظلم والكره واغتصاب حقوق الآخرين والاحتلال والإرهاب والطاعة العمياء والخنوع والاستسلام والغرور والاستزلام والتعصب والفوقية. واللاعنف متمثلا بالحقيقة والمحبة ورفع الظلم والصبر وعدم الخنوع وقول كلمة الحق دون وجل والشجاعة والتضحية والحكمة والعطاء.
شكرا لأبناء وبنات تونس العظمية صغارا وكبارا الذين أعلنوا منذ البداية أنّ طريق النضال اللاعنفي هو الأجدى لأنّ أرصفته مزروعة بشجر إنسانيته وقوته النظيفة.
يبدو أن روح غاندي قد سكنت منذ فترة أجواء تونس. وكلّي ثقة أنّه وفي آخر المطاف ستنتصر الغاندية على الغنوشية، ليسجل التاريخ مستقبلا: أنّ فكر غاندي قد عاد إلى أرض العرب، وتلقفوه بيسر وسهولة لأنهم يحملون بذور مشابهة منذ زمن بعيد بعيد.

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء