رسالة العماد ميشال عون الى قداسة البابا

رؤية

مؤتمر بيروت والساحل - قراءة المزيد لهذا المؤلف

رد مسيحي مشرقي على كل الفكر الاستعماري.
الرسالة – الوثيقة: ايمانية في منطلقاتها، وطنية في آفاقها، توحيدية في توجهاتها
لا عروبة قوية بدون مسيحية مشرقية فاعلة و عيش مشترك اسلامي مسيحي حر وعادل
توقفت لجنة متابعة مؤتمر بيروت والساحل في اجتماعها الاخير في مقر المؤتمر الشعبي اللبناني في برج ابي حيدر في بيروت، بوجود رئيس المؤتمرالاخ كمال شاتيلا، ومشاركة مختلف الاعضاء، عند الرسالة التي بعث بها العماد ميشال عون الى قداسة البابا لمناسبة التحضير للسينودس من اجل الشرق الاوسط. وقد قيّم الحاضرون الرسالة تقييما عاليا لأهميتها في تعزيز الوحدة الوطنية اللبنانية، وفي تعميق صيغة العيش المشترك، وفي تنقية التاريخ من شوائب كثيرة استخدمها المستعمر وسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية العربية، وبما لايخدم مطلقا الوجود المسيحي المشرقي.
واذ رأت لجنة المتابعة ان مسيحيين متنورين سبق ان قالوا ماقالته رسالة العماد ميشال عون، فقد اكدت اهمية هذه الرسالة كونها تصدر عن جهة شعبية وازنة وفاعلة في لبنان بعامة وفي الوسط المسيحي بخاصة.
وقد جاء في بيان لجنة المتابعة لمؤتمر بيروت والساحل مايلي:
تُمثل الرسالة، التي بعث بها العماد ميشال عون الى قداسة البابا بينديكتوس السادس عشر بمناسبة التحضير للسينودس من أجل الشرق الأوسط، وثيقة بالغة الأهمية لما انطوت عليه من رؤى ومواقف ايمانية في منطلقاتها، وطنية في آفاقها، توحيدية في توجهاتها، أسهم في إعدادها مفكرون ومثقفون مسيحيون أحرار.
فبعد قرون من التبشير الاستعماري الذي حاول أن يُرسّخ انطباعاً لدى مسيحيي الشرق، وبخاصة في المنطقة العربية، ان عدوهم الاول هو الاسلام وخصمهم الوجودي هم المسلمون، وبأن عزة المسيحيين تكون بالتحالف مع أعداء العرب والمسلمين، بعد كل ذلك تأتي هذه الرسالة الوثيقة لتشكل رداً "مسيحياً" مشرقياً على كل الفكر الاستعماري ومقولاته،ردا ينقض هذا الفكر ويدحض مقولاته.
ففي مواجهة ادعاءات الفكر التبشيري الاستعماري القائلة بأن العلاقة الاسلامية المسيحية اتسمت دائماً بطابع عدائي سببه اضطهاد اسلامي مزعوم للمسيحيين، وسعي دائم من المسلمين لاستئصال الوجود المسيحي، تقول الرسالة بوضوح "ان المسيحيين المشرقيين كانوا الى جانب المسلمين منذ وطأت اقدامهم بلاد المشرق ووقفوا قرب الخلفاء كرواد ادارة وعلوم وطب وترجمة، حتى غروب العصر العربي الاسلامي وسقوط الدولة العباسية". وتضيف الرسالة تأكيداً على التفاعل الايجابي بين المسلمين والمسيحيين في الشرق العربي انه "من الخطأ مقاربة الواقع المشرقي الحالي من منطلق اقليات وأكثريات فهذه البلاد منذ فجر التاريخ هي ثمرة تراكم معرفي جمعته الاقليات - الاكثريات معاً، في مزيج عز نظيره وتقلبات غيرّت التوجهات السياسية لكنها ابقت على التنوع المجتمعي والثقافي داخل الجغرافيا". ثم تستخلص الرسالة أن الحفاظ على العيش المشترك ضرورة وجود للمسيحيين "فكلما اقتربنا من قريبنا في الوطن واحببناه كلما افلحنا، وكلما ابتعدنا عن محبة القريب كلما جنحنا نحو التقوقع أو السقوط او الهجرة". وتناشد الرسالة البابا تعميم ثقافة الانفتاح لا التخويف، والاقتراب لا الابتعاد.
ورداً على مقولات القوى الاستعمارية والصهيونية المعاصرة الساعية الى تصوير أن معاناة المسيحيين في المشرق في اوقاتنا الراهنة سببها "الارهاب الاسلامي" ، وهو مصطلح يسعى الصهاينة والمحافظون الجدد ونظراؤهم العنصريون الاطلسيون لترويجه بغية زرع الانطباع بأن الاسلام دين الارهاب.ردا على ذلك، تحدد الرسالة- الوثيقة جملة مواقف تنطلق من ان مسؤولية النزيف البشري في المشرق لا تقع على الخوف من التطرف الديني فقط، بل ان الوضع الاقتصادي المتردي والسياسي المتقلب والحروب المتتالية منذ الحرب العالمية الأولى، والفقر والجوع اللذين لحقا بالمشرق جراء تلك الحروب، والحرب العالمية الثانية واستعمار المنطقة وتأسيس اسرائيل، وتقسيم فلسطين والتطهير العرقي ضد سكانها العرب من مسلمين ومسيحيين واستكمال الضغوط لتهجير ما تبقى منهم ورفض حتى عودتهم الى بلادهم، شكلت اسباباً أكثر من وجيهة للهجرة".
واستناداً الى هذا التشخيص الذي يرى في الممارسات الاستعمارية والصهيونية اسباباً اكثر من وجيهة تسهم في محنة المسيحيين المشرقيين، تطرح الرسالة على قداسة البابا عدة مطالب اولها "من قراءتنا لواقع المشرق الحافل بالتعاون الاسلامي المسيحي فإن المسيحيين المشرقيين ينتظرون من الفاتيكان.. ومن رؤساء الكنائس الارثوذكسية والبروتستانية العمل لدى حكومات وادارات العالم الغربي لوقف محاولة أبلسة الدين الاسلامي"، وثانيها "ينتظر المسيحيون المشرقيون من الحبر الاعظم ممارسة الضغط على اسرائيل لوقف تهويد القدس واحلال السلام في المشرق بناء على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة". وثالثها "السعي لوقف هجرة الاقوام التاريخية من اشوريين وكلدان وسريان.. وبخاصة من فلسطين والعراق ولبنان في ظل سياسات تديرها حكومات غربية ودولة اسرائيل للوصول الى هذه النتيجة".
وانسجاماً مع توجه الرسالة – الوثيقة المتمسكة بالعيش المشترك في ظل الحرية والعدالة تطالب الرسالة الكنائس المشرقية والمؤسسات التابعة لها:
اولا: استخدام سلطتهم لكتابة تاريخ واحد للمنطقة يؤكد على وحدة المجتمع ودور النشئ الجديد في تنكب مواقع ريادية، وان الحياة المشتركة هي خيار واع للجميع. وثانيا "يأمل المسيحيون المشرقيون من كنائسهم السعي لوقف التخويف من الشركاء في الوطن والغاء مفهوم الآخر المختلف وذلك على اساس المواطنه".
وثالثا: العمل على محاربة التطرف الديني والحث ثقافياً ودينياً وسياسياً واعلامياً على محاربة هذا التطرف وبث روح القرابة والتراحم والمواطنة في المجتمع".
ان لجنة متابعة مؤتمر بيروت والساحل ترى ان هذه الرسالة – الوثيقة،
بكل ما انطوت عليه من رؤى ومواقف تكتسب اهمية استثنائية، فهي تؤكد على التمسك بالعيش المشترك الاسلامي المسيحي، وترد على دعاوي الفتنة في مرحلة يواجه فيها لبنان والمنطقة العربية مخططات تفجير الفتن الطائفية والمذهبية بغية تحقيق مآرب صهيونية واستعمارية تمزيقية صيغت تحت شعار مشروع الشرق الاوسط الجديد.
وحين تشدد الرسالة – الوثيقة على أن المخططات الاستعمارية والصهيونية تتحمل مسؤولية اساسية في كل المشاكل والمحن التي يتعرض لها المسلمون والمسيحيون معاً في المشرق وترى في فرض التراجع عن هذه المخططات المقدمة لاستعادة الاستقرار الى المنطقة وابناءها من مسيحيين ومسلمين، وحين تطالب الكنائس المشرقية بمحاربة التطرف الديني ووقف التخويف من الشركاء في الوطن في اطار السعي لترسيخ الحرية والعدالة للجميع، فان مجمل هذه المواقف تساهم مساهمة بالغة الايجابية في تعزيز الوحدة الوطنية والوحدة المجتمعية في كل الاقطار العربية، بل ويحصن هذه المجتمعات من مخاطر المخططات الاستعمارية والصهيونية، خاصة وانها لا تصدر عن حالة نخبوية ثقافية وفكرية مستنيرة طالما تصدت للفكر التبشيري الاستعماري فحسب، وانما تصدر عن تيار شعبي وسياسي وازن اثبت حضوره الواسع في الوسط المسيحي رغم الحروب الشرسة التي شُنّت عليه. مما يؤكد على أن هذا التوجه ليس توجها طارئاً وانما هو توجه اصيل عجز الفكر التبشيري الاستعماري عن الغائه لدى المسيحيين العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً.
ان لجنة متابعة مؤتمر بيروت والساحل الرافعة لرايات العروبة الحضارية اذ تعلن ترحيبها بهذه الرسالة - الوثيقة تجدد اعلان ايمانها بأن قوة العروبة بما هي رابطة انتماء حضاري موحدة للامة، قادرة على احتضان كل التنوع الديني والمذهبي والعرقي لأبناء المنطقة بدون تعصب او استعلاء، وبغير طمس او تهميش، بل في ظل حرية وعدالة يتمتع فيها الجميع بحقوق وواجبات متساوية. فلا عروبة قوية بدون مسيحية مشرقية فاعلة وفي ظل عيش مشترك اسلامي مسيحي حر وعادل.

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء