أردنيون لا أقلية محرومون

رؤية

د. منذر حدادين موقع عمون - قراءة المزيد لهذا المؤلف

أطل علينا الصديق العزيز عبدالهادي المجالي من شاشة إحدى الفضائيات الأردنية يوم الأربعاء 22/9/2010 تحاوره صحفية بارعة سألته إنْ كان يرضى أن يكون مسيحيٌّ رئيساً لوزراء الأردن، وأجاب أبو سهل بأن الأقلية لا يجوز أن تحكم الأكثرية!! فانضم برأيه هذا إلى من هم دونه علماً ودراية وفكراً وخدمة وإنجازا. ولم أجد علة تدفع بالصديق المجالي إلى قول كهذا وأنا على معرفة به وبخلقه الرفيع وبإنجازاته للوطن مهندساً وقائداً لسلاح الهندسة الملكي ومساعداً لرئيس أركان الجيش العربي ورئيساً لأركانه ثم مديراً للأمن العام فنائباً فوزيراً فرئيساً لمجلس النواب وأميناً عاماً لحزب سياسي رئيس في البلاد.
ولو درى الصديق العزيز ما نحن نواجهه في الغرب المسيحي بسبب قربنا من الإسلام السمح ودفاعنا عن قيمه ورسالته لما توانى في اعتبارنا الأهل والسند، وبعض رواق البيت والعمد. يشهد لنا بذلك تاريخ العرب ومحافل العلم والأدب. فدور المسيحيين في فتوحات بلاد الشام وبلاد السواد وفارس ودورهم في فتح مصر دونه المؤرخون، وتناقلته الأجيال والمنصفون.
وهم من أبلوا البلاء الحسن في معركة اليرموك الفاصلة حين استدعى شيوخَهم خالدُ بنُ الوليد وحثهم على القتال بقوله "انتسبوا ودافعوا عن شرف قبائلكم" وكانوا أول من دخل دمشق المنيعة عنوة بعد المعركة. وانتخوا بعدها بسنتين لعمرو بن العاص وجنده لما نخاهم للمساعدة في فتح مصر فاتصلوا بأقباطها الذين انضموا لرفاقهم المسيحيين العرب وتم لهم فتح مصر دون أي معركة رئيسة تُذكر، بخلاف فتوحات بلاد الشام والعراق وفارس التي خاض العرب، بمن فيهم مسيحيوهم من غسان وجذام ولخم وبكر وتغلب، معارك اجنادين وفحل وبيسان واليرموك ومعارك جلولاء والجسر والبويب والقادسية ونهاوند. ويذكر التاريخ مساهماتٍ مهمةً للعرب المسيحيين في فتوحات شمال إفريقيا والأندلس، ومساهماتٍ وافرةً في بناء الحضارة العربية الإسلامية. ويذكر لهم مقاومتهم لغزو الفرنجة لبلادنا والتضحيات التي قدموها دفاعاً عنها.

وفي حقيقة الأمر كان سكان بلاد الشام وبلاد السواد قبل الفتح عرباً وإلى جانبهم أقوامٌ سامية أخرى آرامية كلدانية وآشورية يدينون بالمسيحية أثرَوْا الحضارة العربية الإسلامية بأعمالهم في التراجم والدواوين والبحث والإضافة إلى العلوم الطبيعية والإنسانية والتجريبية. وقد كانوا دوماً يعتبرون أهل البلاد الأصليين مكرمين معززين أبداً إلى أن تولى حكم البلاد غير العرب منذ أيام المماليك وحتى الثورة العربية الكبرى. وأبلوا البلاء الحسن في النضال من أجل استقلال البلاد السورية جمعاء من نير الاستعمار الغربي ومن أجل استقلال مصر. فكيف يكون هؤلاء في نظر الصديق العزيز أقلية؟

إن كانت اعتبارات الإنتماء الديني هي المقياس ففيها مخالفة صريحة للدستور الذي ينص صراحة على أن الأردنيين متساوون في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في الأصل أو الدين أو العقيدة، وإذا كانت الإعتبارات هي وجود الكوتا لبعض سكان البلاد في قانون الإنتخاب (وهم البدو والشراكسة والشيشان والمسيحيون) فكيف يتسق رفض الصديق المجالي تولي مسيحي منصب رئيس الوزراء وقد تقلده ممن لهم الكوتا في ذلك القانون؟ وأعني بذلك اثنين من خيرة من تولى رئاسة الحكومة في المملكة وهما المرحوم سعيد المفتي (حبجوقه) والصديق الكريم فيصل الفايز أطال الله بقاءه ووفقه.
إلا أن في الإرتكان إلى الإنتماء الديني خطر سياسي ماثل يلتقطه الصديق العزيز المجالي دون عناء، فإن هو ادعى أن الدولة هنا إسلامية لا يتقلد فيها منصب رئاسة الحكومة مسيحي فكيف له أن يقاوم مطالبة إسرائيل بيهودية دولتهم؟ وهو السياسي الفذ المقاوم لأطماع الصهيونية ولنوايا إسرائيل المبيتة ضد الشعب الفلسطيني. والخطر في يهودية إسرائيل هو تهجير غير اليهود من عرب مسلمين ومسيحيين ودروز، أما خطر إسلامية الدولة هنا هو هجرة غير المسلمين طواعية خاصة من كانت صلته بأرض الوطن واهية متقلبة.
ويحصر الدستور حق تكليف أي أردني في تشكيل الحكومة بالملك ولا يستثني الدستور أياً من مكونات المجتمع الأردني من شرف ذلك التكليف، ولم أسمع طيلة حياتي أن مسيحياً طالب بأن يشكل الحكومة الأردنية، ولا يعني ذلك مقاطعتهم للمنصب بل يعني احترام حق جلالة الملك في اختيار من يرتأيه مناسباً. ولم يخل مجلس وزراء منذ تأسيس الأمارة من عضو أو أعضاء مسيحيين.
وأخيراً أرى أن رأياً كالذي سمعناه علانية من الصديق المجالي غريب عن تراثنا وثقافتنا وخصوصاً من كان منا مرتبطاً بمحافظة الكرك أو كانت أصوله فيها، فهي التي تعطي المثل العربي الواضح للعيش، ولا أقول التعايش، المشترك الذي يمارسه عموم الأردنيين على اختلاف مشاربهم. فقد عاشوا ويعيشون سوية، واستشهدوا ويستشهدون دفاعاً عن الحمى العربي سوية، ويخدمون الوطن والملك سوية ويقسم وزراؤهم ونوابهم وقضاتهم أن يكونوا مخلصين للملك وأن يحافظوا على الدستور وأن يقوموا بالواجبات الموكولة إليهم بأمانة.
وأتساءل: ماذا سيكون عليه موقف الصديق المجالي لو أن هدفه في إرساء قواعد الحزبية السياسية في البرلمان والحكومة قد تحقق، وأن حزباً يرأسه أردني مسيحي قد فاز بأغلبية أعضاء مجلس النواب، فهل سينكر على رئيس الحزب حق تشكيل الحكومة كما تقتضي ذلك الأصول التي هي من صلب هدفه؟
وإذا أصر الصديق العزيز على اعتبارنا "أقلية" فإني إكراماً له أقبل تلك الصفة لا للمسيحيين بل لإعجابي وإعجابهم بقول السموأل بن غريض بن عادياء، الشاعر العربي من قبيلة الأزد القحطانية:

تُعيرنا أنّا قليلٌ عديدُنا فقلت لها إنّ الكرامَ قليلُ
وما قل من كانت بقاياه مثلَنا شبابٌ تسامى للعلا وكهولُ
فنحن كماء المزن ما في نصابنا كهامٌ ولا فينا يُعَدُّ بخيلُ
وما أُخْمِدتْ نارٌ لنا دون طارقٍ ولا ذمَّنا في النازلينَ نزيلُ

وأعترف كغيري من الأردنيين للصديق العزيز عبدالهادي المجالي بخدماته الجلى للبلاد وبتشجيعه لي العودة من الولايات المتحدة لخدمة الوطن عام 1970 وأهمس في أذنه أننا كلنا أردنيون على اختلاف منابتنا وأصولنا ومشاربنا ومآربنا، وما من عشيرة أو حزب فينا يشكل أغلبية السكان ذوي الملايين الستة، لكن جمعنا واجتماعنا وتراثنا وفكرنا يشكل الكتلة الحرجة التي ستعمل على النهوض بالأمة ورسم طريقها للترقي. ولا أراني بحاجة إلى التذكير بقوله تعالى ووصفه نصارى نجران بالمؤمنين: " والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود......" (سورة البروج). أو بقوله تعالى " ولتَجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدّةً للذينَ آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82، 83].
وقبل النهاية لا بد من التذكير بما قاله في الغساسنة، وكانوا يدينون بالمسيحية، حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي من بني النجار أخوال الرسول الكريم وهو أيضاً متحدر من قبيلة الأزد القحطانية وشاعر الرسول الكريم:
لله درُّ عصابة نادمتهم يوماً بجلق في الزمان الأولِ
يمشون في الحُلَلِ المضاعفِ نسجُها مشْيَ الجِمالِ إلى الجِمالِ البزَّلِ
والخالطون فقيرَهمْ بغنيهم والمنعمون على الضعيف المرملِ
فهل يبقى، بعد كل ما أسلفت، مجالٌ للشك بأن المسيحيين منا هم من أهل البلاد الأوائل ومن طلائع الفتح الأصائل، ، ولا يحول بينهم وبين خدمة البلاد حائل؟

William Besharat - Toronto Canada
Thanx well said

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
التيه هو ان تجد نفسك.....وفاء