المأثور والمقدس

مفاهيم وجسور

ماهر عساف - قراءة المزيد لهذا المؤلف



طلب القرآن الكريم القراءة من النبي في أول لقاء مع الوحي ، حيث قال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ) .
وهو استحضار لكل أدوات الثقافة في كلمات تعبر ببراعة ودقة عن قراءة تجريبية فاحصة لصفحات هذا الكون المنظور ، وقراءة متدبرة لكل الأسفار والسير والتراجم والتاريخ والعلوم .
وبين هذا وذاك ، وبعد أن كان العرب أصحاب فضل في العلم والثقافة ، وكانت المدن العربية قبلة للحضارة ووجهة لكل الدارسين ، ودليلا على اتساع العقل العربي وغزارة إنتاجه وامتداد تخصصاته في كل دروب العلم ، فقد انقلب الحال وتراجع المثقف العربي ليصبح هذا الإرث ملكاً للغرب ولحضارات وشعوب فاقت العرب في علومها وفي مطالعاتها وإنتاجها الحضاري من الكتب والمؤلفات.
إن أزمة المجتمع العربي تكمن اليوم في ضياع المثقف العربي وخروجه عن طريق أسلافه الذين حرصوا على العلم والتأليف والقراءة ، وفي بعد العربي عن المنهج النقدي والذي تلاشى مع الزمن ، وحل محله الغلو والتعصب والتراجع .
وإن محنتنا الكبرى تتمثل في تقديس التراث المنقول على حساب العقل ، وميل البعض لتصحيح النصوص المأثورة نصرة لآرائهم ، وغلبة لمخالفيهم ، وتعصبا لأهوائهم ، والخلط بين ما هو مقدس وما هو من التراث والتاريخ ، حيث يتم المزج بين الوحي الصادق قطعي الثبوت ، وبين التراث المحتمل الثبوت ، بل والضعيف والمدسوس في بعض الأحيان ، ليتم تشكيل العقل العربي في اختزال واضح للثقافة الناقدة القائمة على توسيع مدركات العقل واستيعاب حقائق التاريخ بعيداً عن الحقيقة واستخدامها لمناصرة فكرة متعصبة أو مناصرة لسلطان جائر ، واستبداد بالأمة وغلو في الدين .
إن الصراع الذي نشأ في التاريخ الإسلامي بين المسلمين ، وقتل فيه كثير من الخلق ، كان بسبب الحكم والرغبة في السلطة ، وليس بسبب الدين الذي وحد الفرقاء والمتنازعين ، فأول سيف أشهر بين المسلمين كان بسبب الخلافة وليس بسبب الدين كما يقول الإمام الشهرستاني .
وانتقل هذا التاريخ ، يحمل في طياته الغث والسمين ، دون أن توجد حركة ناقدة قادرة على بيان الحقيقة ، مع الوقوف عند حدود الأدب مع أصحاب الفضل ، وانتهاج منهج الباحث عن الحق ، وبيان الأخطاء التي اعتبرها البعض ضرورات ومبررات تم استحضارها في عملية الفرقة والانقسام ، لأمة قال عنها الوحي : ( كنتم خير امة أخرجت للناس .. ) وبين صفتها الوحدوية : ( إن هذه أمتكم امة واحدة .. ) فأين هي الوحدة ولا زلنا نستحضر تاريخ الصدر الأول من المسلمين بكل ما فيه من موروثات تاريخية ، وخلافات سياسية دون التمييز بين ما هو حق وما هو باطل ، خوفا من قراءة نقدية ، وتجردا عن تقديس ما ليس مقدس ، لنشكل عقلية مجتمعنا ورسم معالم ديننا .
إن تحقيق مرضاة الله عز وجل ، والسعادة لأنفسنا تكمن في قراءة التاريخ من جديد ، وبتجرد تام ، واضعين نصب أعيننا قواعد منهجية وموضوعية لتخليص التاريخ من عقدة غلبة المنتصر وهيمنته ، وكذلك تنقية العقل والشرع من دسائس النقل عن الرعيل الأول ، وتجريد مبادئ الشرع من غواشي التاريخ وتقولاته الزائفة ، بعد هذه الفرقة والوهن ، لنحمل على بعضنا البعض بدعوى قدسية الفكرة ، وكفر المخالف ، ورميه بكل نقيصة ، توظيفاً سياسياً أو حزبياً انتصاراً للغلو وترسيخاً للتفسير التآمري للتاريخ على حساب الحقيقة الموثقة ومقاصد الشريعة الإسلامية .
تعالوا بنا نحرر عقولنا من جديد ، ونقرأ بتجرد علنا نستنهض العقل العربي ونعيد أمجاد العظماء في هذه الأمة ..

امال جابر - فلسطين
اشكرك على هذه الكلمات المضيئه في عتمة هذا الليل الحالك ويا ليت المثقفين واصحاب الرأي السديد ينيرون درب البسطاء والمضللين الذين حملتهم رياح الفرقه والتعصب ليغيروا من هذا الواقع المرير

تعليقك على المقال

الأسم
البلد
البريد الإلكتروني
نص التعليق
يودعنا الاب ابراهيم نيروز وعائلته الى الاردن ...الزرقاء ...في 30/6/2017... تحملهم رعاية الله